رغم معارضته قرار الدولة اللبنانية سحب اعتماده في آذار الماضي، إلا أن السفير الإيراني السابق محمد رضا شيباني وجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف، بعدما نُزعت عنه الصفة الدبلوماسية، ليتقدّم بطلب إقامة لدى المديرية العامة للأمن العام، ويُمنح إقامة لمدة ستة أشهر بصفته دبلوماسيًا سابقًا خدم في لبنان.
وبغض النظر عن حصوله على الإقامة، فإن رضوخ شيباني للتعامل مع الدولة اللبنانية وفق قراراتها وقوانينها، بعد انتهاء صفته الدبلوماسية، يكشف حجم التحوّل الذي طرأ على موقع إيران في لبنان. فبعدما كان النفوذ الإيراني يمنح ممثليها هامشًا واسعًا للتصرّف وكأن زمام الأمور في البلاد بأيديهم، تحول المشهد ليصبح السفير نفسه ساعيًا إلى البحث عن ممر قانوني يتيح له البقاء في لبنان.
فهل تكون هذه الخطوة ترجمة فعلية لتراجع النفوذ الإيراني في لبنان وتقدّم منطق الدولة، أم أنها تكشف، في المقابل، استمرار التردد في حسم الملفات السيادية؟
في هذا الإطار، أكد الصحافي جورج العاقوري أن البحث عن مخرج لبقاء السفير الإيراني غير المرغوب فيه في لبنان، محمد رضا شيباني، بعد انتهاء إقامته، والذي استند إلى تقديم أوراق والحصول على مجاملة لكونه دبلوماسيًا سابقًا، يُعدمن حيث الشكل قانونيًا، إلا أنه، من حيث المضمون، يعكس ترددًا وإرباكًا من قبل رأس السلطة في التعاطي مع هذا الملف الحساس جدًا.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن المسألة ليست شخصية مع محمد رضا شيباني، بل تتعلق بانتهاك سيادة لبنان ومضمون اتفاقية فيينا المتعلقة بالعلاقات الدبلوماسية، وعدم امتثاله للقرار الصادر عن الدولة اللبنانية في مسألة طلب ترحيله واحترامه.
ورجح العاقوري أن يكون السبب الذي دفع إلى هذه التسوية استمرار بعض من هم في السلطة اليوم في انتهاج السياسات السابقة، القائمة على "تبويس اللحى" والمحاباة على حساب القانون، في محاولة لامتصاص أي نقمة واستيعاب مختلف الأطراف في لبنان، مع العلم أن هذا النهج هو الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
واعتبر أن التغاضي، حتى إن كان عن حسن نية، عن تطبيق القانون لمصلحة محاولات الاستيعاب، يؤدي إلى ترنّح الدولة لمصلحة الدويلة التي خطفت قرار الحرب والسلم، وتخطف ملف حصرية السلاح، وتضرب، بمواقفها وتفرّدها، طبيعة علاقات لبنان مع الدول الصديقة والمجتمع الدولي.
ولفت العاقوري إلى أن قبول شيباني التقدم بهذا الطلب والبحث عن مجاملة له يعكس تمسّك إيران بأي وسيلة بالبقاء في لبنان وتسجيل نقاط، ولو كانت وهمية ومعنوية، أمام جمهورها، في معركة شد الحبال التي يشهدها لبنان بين حزب الله، الذي يتباهى بارتباطه العضوي بإيران، وإيران من خلفه، التي تتباهى بأنها تدير وتتواصل بشكل مباشر مع المقاتلين، وهو ما قاله رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عندما أشار إلى أنه على تواصل دائم مع مقاتلين في الصفوف الأولى، وبين معظم اللبنانيين الذين يصون على قيام دولة كاملة المواصفات لا يعلو فوقها أحد، ويرفضون بقاء لبنان ساحة مستباحة وصندوق بريد.
وأفاد بأن قبول السفير الإيراني بهذه التسوية هو إقرار، بشكل أو بآخر، بأن إيران، التي كانت تفرض من خلال حزب الله ما تريد في لبنان، وكانت الأبواب مشرعة أمامها في مختلف المجالات، أصبحت اليوم تبحث عن ممرات سالكة في محاولة للحفاظ على نفوذها ووجودها في لبنان.
وبين العاقوري أن هذا الأمر يشكل دلالة على أن الوضع تغير، لكن حجم التغيير ليس كافيًا، لأن السلطة في لبنان ما زالت تعيش حالة من الارتباك في تطبيق قراراتها، وفي الالتزام بخطاب القسم والبيان الوزاري والدستور اللبناني.
وأوضح أن التعامل الإيراني مع هذه الخطوة كإجراء إداري لا يحمل دلالات سياسية قد يكون جزءًا من سياسة تتبعها طهران، لكن على أرض الواقع ثمة دلالات واضحة، وإن كانت لا تتطابق مع المستوى المطلوب من الدولة اللبنانية، الذي يجب أن يقوم على الصرامة في تطبيق قراراتها، وبسط سلطتها، وقطع الطريق على كل من ينتهك سيادتها.
وشدد العاقوري على أنه لا يمكن اعتبار أن الدولة قد نجحت في فرض المسار السيادي في العلاقات الإيرانية - اللبنانية، لأن ما حدث بالأمس عثرة كان بالإمكان تلافيها لو طُبق القرار منذ صدوره قبل أشهر، وتم التعاطي مع هذا الملف بعيدًا عن أي إرباك أو حسابات خاطئة تقوم على محاولة استيعاب المكونات على حساب سيادة الوطن والدولة وهيبة المؤسسات.
في نهاية المطاف، يُفترض أن تشكل خطوة شيباني رسالة واضحة إلى إيران وذراعها في لبنان بأن زمن التسلط والتحكم بمرافق الدولة وقرارها قد انتهى، وأن الدولة اللبنانية تسعى اليوم إلى استعادة سيادتها وفرض سلطتها. ولو كانت إيران تحترم نفسها وموقعها، لكان سفيرها السابق قد غادر لبنان بعد سحب صفته الدبلوماسية، بدلًا من أن يتقدم بطلب إقامة للبقاء فيه.