August 25, 2026   Beirut  °C
سياسة

بعد 44 عامًا على انتخابه.. نديم الجميل لـ"بالعربي": لبنان اختار "الغابة" بعد بشير.. ولو بقي حيًا لتغيّر تاريخ البلد

أربعة وأربعون عامًا مرت، لكن السؤال الذي تركه بشير الجميل خلفه لم يهرم: أي لبنان نريد، دولة أم "غابة"؟ بين انتخابه رئيسًا واغتياله 21 يومًا فقط، مدة قصيرة لم تمنحه فرصة الوصول إلى قصر بعبدا، لكنها كانت كافية لترسخ مشروعًا سياسيًا لا تزال عناوينه حاضرة حتى اليوم: دولة واحدة، سيادة واحدة، وسلاح وقرار لا شريك للدولة فيهما.

واليوم، فيما يجد لبنان نفسه مجددًا أمام الأسئلة نفسها التي واجهها بشير، تبدو الذكرى أبعد من استعادة رجل ومرحلة؛ إنها مقارنة قاسية بين جمهورية حلم بها ولم يمهله الاغتيال لبنائها، وجمهورية أمضت أكثر من أربعة عقود تبحث عن سيادتها. فهل كان لبنان سيعرف كل هذا المسار لو بقي بشير حيًا؟


وبين مشروع بشير والواقع الحالي، أعرب النائب نديم بشير الجميل عن أسفه لأن ما يعيشه لبنان اليوم هو نقيض ما حلم به الشهيد بشير الجميل، معتبرًا أن والده قال قبل استشهاده إن "الغابة لها ثمن، والدولة لها ثمن"، لكن لبنان، بعد بشير، اختار أن يدفع ثمن "الغابة"، ولا يزال حتى اليوم يعيش في غابة من الفوضى والفساد وغياب الأمن والسيادة.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن جوهر الأزمة التي واجهها بشير قبل 44 عامًا لا يزال حاضرًا، موضحًا أنه كان يواجه غياب سيادة الدولة وسلاح الميليشيات وعجز الدولة عن اتخاذ القرارات اللازمة، فيما لا يزال لبنان يعاني المشكلة نفسها حتى الآن. وأضاف أنه في ذلك الزمن كان هناك من يربط لبنان بقضايا وصراعات تتجاوز حدوده، فيما يراد اليوم ربطه بطهران ومصالح إيران.


وأكد الجميل أن الفارق بين الأمس واليوم، رغم مرور أربعة عقود، هو أنه في ذلك الزمن كان هناك بشير الجميل، وكانت هناك إرادة لاتخاذ القرارات الجريئة، مشيرًا إلى أن بناء الدولة يحتاج إلى قرارات جريئة وإلى الاستعداد لدفع ثمنها. واعتبر أنه لا يمكن بناء دولة فيما يبقى اللبنانيون "أسرى الخوف" في كل خطوة، مرة بحجة السلم الأهلي، ومرة بالخوف من انقسام الجيش، ومرة بحجة حماية هذا الطرف أو ذاك.


وقال إن "الدولة لها ثمن"، موضحًا أن هذا الثمن يتمثل في بناء مؤسسات صالحة، وفرض سيادة الدولة، وحصر السلاح بيد الشرعية، واتخاذ القرارات التي تحمي الشعب وتعيد إلى الدولة سلطتها. واعتبر أن المشكلة اليوم ليست في غياب الفرص أو الدعم، بل في غياب الجرأة الكافية لاتخاذ القرارات وتنفيذها، مشددًا على أن الدولة تحتاج إلى إرادة قوية للتخلص من سلاح الميليشيات والحفاظ على سيادتها.


وأوضح الجميل أن الدعم الخارجي يمكن أن يشكل حافزًا للدولة عندما تشعر بأن المجتمع الدولي يقف إلى جانبها ويشجعها على الذهاب حتى النهاية في تطبيق قراراتها، لكنه مشروط وله حدود، لافتًا إلى أن استمرار الدعم الخارجي فيما لا تقوم الدولة بأي خطوات سيؤدي إلى تشديد الشروط وتراجع ثقة المجتمع الدولي بها.


وفي المقابل، أشار إلى أن مبادرة الدولة إلى اتخاذ إجراءات عملية على الأرض، من تفتيش المستودعات إلى ضبط الأسلحة المهربة عبر الحدود ووضعها تحت إمرة الجيش اللبناني، ستشجع الدول الداعمة على تقديم المزيد من المساندة. وأفاد بأن هناك تكاملًا بين الإجراءات الداخلية والدعم الخارجي، معتبرًا أن العلاقات الدولية والحصول على الدعم من الحلفاء ليسا أمرين معيبين، بل إن المعيب هو توافر الدعم من دون امتلاك الإرادة والجرأة لاتخاذ القرارات التي تحمي لبنان وشعبه.


وعن فرضية ما كان يمكن أن يكون عليه لبنان لو لم يغتل بشير، قال الجميل إن لبنان الذي نراه اليوم لم يكن ليكون على هذه الصورة لو بقي بشير حيًا، مشددًا على أن البلاد كانت ستكون مختلفة كليًا. ولفت إلى أن الرجل الذي استطاع، خلال واحد وعشرين يومًا فقط، وقبل أن يتسلم صلاحياته فعليًا، أن يحدث كل هذه التغييرات، يجعل اللبنانيين يتساءلون عما كان يستطيع إنجازه خلال ست سنوات كاملة.


وخلص إلى أن عهد بشير كان سيشكل "محطة مفصلية في تاريخ لبنان"، سواء على صعيد الصراع مع إسرائيل، أو التدخل السوري في لبنان، أو حل الميليشيات، أو إبقاء لبنان بعيدًا عن ربط مصيره بقضايا المنطقة وصراعاتها. وأكد أن لبنان كان سيكون، بلا شك، في مكان آخر كليًا، وأنه لو بقي بشير "لما كنا اليوم حيث نحن"، مشيرًا إلى أن كل العوامل التي أثرت بشكل مباشر في لبنان طوال العقود الماضية كان يمكن أن يصبح تأثيرها مختلفًا وأقل بكثير.


أما في ما يتعلق بالعهد الحالي، فقال الجميل إنهم انتخبوا هذا العهد وعلقوا عليه آمالًا كبيرة، على أمل الوصول، ولو إلى جزء مما حلم به بشير الجميّل. لكنه اعتبر أن الدولة لا تزال حتى اليوم غائبة عن اتخاذ القرارات الجريئة والعملية، وكأنها تنتظر الضغوط الخارجية وتتحرك فقط وفق الزخم الذي تخلقه هذه الضغوط.


وشدد على أن الضغط الخارجي قد يكون يومًا لمصلحة لبنان، وقد لا يكون كذلك في يوم آخر، فيما يجب أن تكون استراتيجية الدولة اللبنانية دائمًا مبنية على مصلحة لبنان وشعبه. واعتبر أن اللبنانيين لا يزالون يشغلون "بالقشور"، فيما تخشى الدولة اتخاذ القرارات الأساسية، مضيفًا أن الجميل قال مرارًا إن "للدولة ثمنًا"، لكن المشكلة هي أن الدولة تخاف من دفع هذا الثمن.


وكشف الجميل أن الخوف من دفع ثمن بناء الدولة، أي بناء المؤسسات الصالحة وفرض السيادة وحصر السلاح وإدارة شؤون الشعب بصورة صحيحة، سيجعل "الثمن البديل" هو الغابة، بما تعنيه من فوضى وفساد وتكرار لما عاشه لبنان طوال العقود الماضية.


وجزم بأنه، سواء كان اللبنانيون متفائلين أم متشائمين، سيستمرون في العمل لتحقيق حلم بشير: "لبنان الحرية، ولبنان الكرامة، ولبنان المساواة"، والأهم لبنان الذي يحافظ على "الوجود الحر".


وبعد 44 عامًا، لا تبدو المسافة بين لبنان الذي حلم به بشير الجميّل ولبنان اليوم مسافة زمنية بقدر ما هي مسافة بين مشروع وواقع. فالدولة القوية التي أرادها، بسيادة كاملة وقرار واحد وسلاح تحت سلطة الشرعية، لا تزال مشروعًا غير مكتمل، فيما تتكرر الأسئلة نفسها بأشكال مختلفة. وبين "ثمن الدولة" و"ثمن الغابة"، يجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام الخيار ذاته: إما امتلاك الجرأة على بناء دولة تفرض سلطتها وتحمي قرارها، وإما الاستمرار في دفع أثمان الفوضى والانقسام. وبعد أربعة عقود، يبقى السؤال الذي تحمله ذكرى بشير حاضرًا: متى يصبح حلم الدولة واقعًا؟