August 25, 2026   Beirut  °C
سياسة

طلال جابر: لبنان قد يدفع ثمن تقاطع هرمز وعلي الطاهر... والسيناريو المقبل "تسوية تحت النار"

بين مضيق هرمز وتلة علي الطاهر، تبدو المسافة الجغرافية بعيدة، لكن الحسابات السياسية والانتخابية قد تجعل الساحتين أقرب مما تبدوان. ففي وقت تضغط فيه إيران عبر ورقة هرمز وما تحمله من انعكاسات على أسواق الطاقة والداخل الأميركي، يبقى الجنوب اللبناني مفتوحًا على تصعيد إسرائيلي تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع حسابات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واستحقاقاته الداخلية.

هذا التشابك يضع لبنان مجددًا أمام مرحلة دقيقة، إذ تتقاطع الضغوط الإقليمية مع الاستحقاقات الأميركية والإسرائيلية، فيما تتحول تلة علي الطاهر إلى واحدة من أبرز نقاط الاشتباك السياسي والميداني. وبالتوازي، تتحرك الاتصالات الدولية بحثًا عن ترتيبات جديدة للجنوب، في ظل زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما، والنقاش المتصاعد حول دور الجيش اللبناني ومستقبل آلية التحقق والحضور الدولي بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.


فهل يتحول لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات تتجاوز حدوده؟ وهل تقود الضغوط العسكرية والسياسية المتزامنة إلى مواجهة أوسع، أم أن التصعيد الحاصل يمهد لتسوية جديدة تُرسم ملامحها تحت النار؟


في هذا الإطار، أكد المحامي الدكتور طلال جابر أن المعادلة التي تربط بين ما يجري في مضيق هرمز والتطورات في لبنان موجودة سياسيًا، معتبرًا أن الجغرافيا نفسها تنتج حوافز انتخابية متعاكسة.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هرمز يشكل نقطة ضعف داخلية مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ إن استمرار إغلاق المضيق يرفع مخاطر ارتفاع أسعار النفط والبنزين، ويؤدي إلى التضخم وارتفاع كلفة الاقتراض، لافتًا إلى أن سعر خام برنت يدور حاليًا قرب 92 دولارًا، فيما تتراجع المخزونات الاحتياطية، بينما يبلغ متوسط سعر البنزين الأميركي نحو 4.10 دولارات للغالون، مقابل 3.13 دولارات قبل عام، ما دفع الإدارة الأميركية إلى اللجوء إلى إجراءات استثنائية لمحاولة خفض أسعار الوقود.


وفي المقابل، رأى جابر أن الحسابات بالنسبة إلى نتنياهو مختلفة، إذ قد يدخل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026 في وضع انتخابي صعب، فيما تشير استطلاعات متتالية إلى احتمال خسارة ائتلافه، فضلًا عن تعرض صورته بوصفه "رجل الأمن" لضربات منذ 7 تشرين الأول 2024، ومن جراء نتائج الحرب مع إيران ولبنان. ومن هنا، تصبح تلة علي الطاهر، بحسب رأيه، أكثر من مجرد موقع عسكري، إذ تصف التقارير الميدانية الموقع بأنه نقطة تشرف على النبطية وإقليم التفاح ومحيط الليطاني، فيما قدم نتنياهو العمليات الجارية هناك باعتبارها عملية عسكرية مهمة.


وأوضح أن الخطاب الإسرائيلي الأخير يحمل رسالة مفادها أنه، رغم الضغوط الدولية وعدم حسم حرب إيران بالكامل، تواصل إسرائيل تفكيك بنية حزب الله وفرض منطقة أمنية جديدة في جنوب لبنان، معتبرًا أن جوهر المفارقة يتمثل في أن الاستنزاف الإقليمي يضر بترامب، في الوقت الذي يمكن فيه للانتصارات التكتيكية أو صور الحسم الأمني في لبنان أن تساعد نتنياهو. وأضاف أن الأمرين ليسا متناقضين، فترامب يحتاج إلى إغلاق جبهة إيران وتهدئة أسعار النفط، بينما يحتاج نتنياهو إلى إقناع الناخب الإسرائيلي بأن الجبهة الشمالية أصبحت أكثر أمانًا بفضل سياسته، مستخلصًا أن إيران تستطيع إيلام ترامب اقتصاديًا عبر هرمز، فيما يستطيع نتنياهو محاولة تعويض ضعفه الانتخابي بإظهار حسم أمني في لبنان. وقد يكون لبنان الطرف الذي يدفع ثمن تقاطع هذين المسارين، حتى من دون أن يكون طرفًا في أي صفقة بينهما.


وفي ما يتعلق بزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما، لفت جابر إلى أن التحركات المرتبطة بها وبمؤتمر دعم الجيش تعكس انتقالًا أساسيًا من فكرة دعم الجيش كي يصمد إلى فكرة دعمه كي يصبح الأداة التنفيذية الأساسية للترتيب الأمني الجديد في الجنوب، معتبرًا أن هذا الفارق جوهري. وقدر أن زيارة هيكل إلى روما تأتي في هذا السياق، إذ تشمل المباحثات مع المسؤولين التعاون العسكري الثنائي، إضافة إلى شكل آلية التحقق وطبيعة القوة الدولية المحتملة في مرحلة ما بعد اليونيفيل، مشيرًا إلى أن قيادة الجيش سبق أن ناقشت هذا الأمر مع مسؤولين عسكريين إيطاليين، وبحثت الخيارات المتاحة للمرحلة المقبلة.


أما مؤتمر دعم الجيش، فقال إنه يمثل الوجه الآخر للمسار نفسه، إذ ستستضيف باريس في 17 أيلول اجتماعًا تحضيريًا للمؤتمر الدولي، بهدف تأمين المعدات واللوجستيات والتدريب وبناء القدرات وفق الحاجات التي يحددها الجيش، مشددًا على أن هذه ليست مساعدات اجتماعية للمؤسسة العسكرية، بل محاولة لرفع قدراتها العملياتية بما يسمح للجيش بانتشار أوسع وتولي مسؤوليات أمنية فعلية في الجنوب اللبناني، وربما أبعد من ذلك.


وحدد جابر مسارين متوازيين في هذا الإطار: الأول سياسي وأمني، يتعلق بإيجاد آلية تحقق دولية، وتحديد مصير اليونيفيل، وضبط العلاقة بين الجيش وجهة دولية جديدة؛ والثاني عسكري ومالي، يرتبط بإعطاء الجيش القدرات اللوجستية والاستخباراتية والتقنية والبشرية اللازمة لانتشار طويل الأمد وتحمل مسؤوليات فعلية في جنوب الليطاني. واعتبر أن نجاح المسارين معًا يعني تغييرًا استراتيجيًا في لبنان.


وبجمع هذه الملفات، خلص جابر إلى أن المشهد لا يتجه إلى تصعيد أو تسوية بالمعنى الثنائي، بل إلى استخدام التصعيد لإعادة صياغة ترتيبات الجنوب. وتوقع أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة ضغط عسكري مرتفع، ولكن تحت سقف يمنع، قدر الإمكان، الانزلاق إلى حرب شاملة، إلى حين اتضاح صيغة أمنية جديدة يكون الجيش اللبناني في قلبها، واصفًا هذا السيناريو بـ"التسوية تحت النار".


وأوضح أن إسرائيل قد تواصل عمليات محدودة ومركزة، عبر الضغط على المواقع ومحاولات تحسين خطوط السيطرة أو النقاط الحساسة، مثل علي الطاهر وغيرها، لكنها ستحاول تجنب اجتياح واسع يعيد فتح حرب كاملة. وفي المقابل، رأى أن حزب الله سيحاول منع إسرائيل من تحويل هذه العمليات إلى مكاسب دائمة، من دون الذهاب بالضرورة إلى تصعيد شامل، ما لم يعتبر أن خطًا أحمر استراتيجيًا قد كُسر.


وبالتوازي، توقف جابر عند احتمال ازدياد الضغط الدبلوماسي لتسريع ثلاثة ملفات متلازمة: آلية التحقق، وانتشار الجيش، ومستقبل الحضور الدولي بعد اليونيفيل. وبين أن مؤتمر دعم الجيش يصبح، في هذه الحالة، جزءًا من التسوية، وليس ملف مساعدات مستقلًا، لأن أي صيغة تقوم على تحمل الدولة اللبنانية مسؤولية أمن الجنوب تحتاج إلى مؤسسة قادرة فعليًا على الانتشار والمراقبة. وبمعنى آخر، هناك محاولة لتحويل المعادلة من "إسرائيل – حزب الله" أو "حزب الله – اليونيفيل" إلى معادلة أقرب إلى "إسرائيل – الدولة اللبنانية/الجيش – آلية تحقق دولية".


إذًا، ومع تقاطع حسابات هذه الدول الكبرى، يبقى لبنان الحلقة الأضعف، فيما يبقى الجنوب في صلب المواجهة وتداعياتها. فمن هرمز إلى تلة علي الطاهر، تبدو التطورات مترابطة أكثر من أي وقت مضى، بين الضغط الإيراني والتصعيد الإسرائيلي، فيما يبقى لبنان بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الجارية، ولا سيما في روما، وما إذا كانت ستقود إلى صيغة جديدة للترتيبات الأمنية في الجنوب.