في توقيت تتسارع فيه التحضيرات للمرحلة التي ستلي انتهاء مهمة "اليونيفيل"، تتجه الأنظار إلى روما، حيث يجري قائد الجيش العماد رودولف هيكل زيارة تتجاوز في أبعادها حدود التعاون العسكري التقليدي بين لبنان وإيطاليا. فالملفات المطروحة تتصل مباشرة بمستقبل الجنوب، وانتشار الجيش في المناطق التجريبية، وآليات التحقق والمراقبة، وصولًا إلى شكل الحضور الدولي المرتقب بعد نهاية العام.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية مع تقدم إيطاليا كإحدى الدول القليلة التي تحظى بقبول الأطراف المعنية، بالتوازي مع التحضير للمؤتمر الدولي لدعم الجيش. فهل تتحول روما إلى شريك أساسي في ترتيبات الجنوب الجديدة؟ وما الذي يمكن أن تحمله زيارة هيكل للمؤسسة العسكرية في واحدة من أكثر المراحل حساسية؟
وفي هذا السياق، رأى الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد الركن الطيار المتقاعد بسام ياسين، أن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما تكتسب أهمية خاصة، خصوصًا أنها تأتي بعد زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إيطاليا، وبعد التوافق على بقاء قوات إيطالية في الجنوب بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، أو ضمن أي ترتيب آخر يمكن الاتفاق عليه، مشيرًا إلى أن إيطاليا هي الدولة الوحيدة التي يوجد توافق حول دورها حتى الآن.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أنّ هناك خلافًا حول فرنسا، كما لا يزال الخلاف قائمًا حول بريطانيا، فيما رُفض طرح أذربيجان من قبل "حزب الله". أما بالنسبة إلى إسبانيا، فلا تزال المعلومات غير محسومة بشأن وجود اتفاق عليها من عدمه.
وأكد ياسين أن إيطاليا هي الدولة التي يوجد تقاطع حول دورها حتى الآن، لأن أي اتفاق يحتاج إلى موافقة "حزب الله" والدولة اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي ما يتعلق بزيارة قائد الجيش، رأى أنها تحمل أكثر من هدف وأكثر من رسالة، موضحًا أن الهدف الأول يتمثل في معرفة حجم القوات الإيطالية التي ستبقى في الجنوب، وآلية التنسيق بينها وبين قيادة الجيش اللبناني، علمًا أنّ التنسيق بين الطرفين، خلال مختلف مراحل مهمة "اليونيفيل"، ولا سيما خلال تولي الجانب الإيطالي قيادة البعثة، كان على مستوى عالٍ جدًا، ولم تُسجّل أي مشكلات بين إيطاليا والجيش اللبناني.
وأشار ياسين إلى أن هناك أيضًا اتفاقًا على أن تكون إيطاليا ضمن لجنة للتحقق، في حال نجاح العملية في المناطق التجريبية والانتقال إلى استكمالها، ولا سيما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وفي حال وجود نية للانسحاب من لبنان، على أن تكون إيطاليا من بين الدول التي يمكن اعتماد قوات منها للتحقق من جهوزية الجيش اللبناني وتنفيذه مراحل الاتفاق، بما فيها سحب السلاح وسائر البنود.
ولفت إلى أن كل هذا التقاطع حول إيطاليا يجعل زيارة قائد الجيش إلى روما أكثر أهمية في هذا التوقيت، وخصوصًا أن لإيطاليا خطوات سابقة في مجال دعم الجيش اللبناني، إذ ساهمت عام 2014 في تجهيز قسم الهيدروغرافيا في الجيش، كما قدمت، من وقت إلى آخر، مساعدات عسكرية ومادية للمؤسسة العسكرية.
وأضاف ياسين أن وجود إيطاليا بقواتها، سواء ضمن قوة دولية أو قوة أوروبية، يشكل عنصرًا يحتاج إليه الجيش اللبناني في الجنوب، لوجود دولة أوروبية ميدانيًا يمكن أن تكون شاهدة على العمليات والاعتداءات الإسرائيلية وعدم الالتزام بالاتفاقيات.
ومن هنا، اعتبر أن الزيارة مهمة في هذا التوقيت، ولا سيما أنّها جاءت بدعوة من الجانب الإيطالي.
وأضاف ياسين أن الاجتماعات التي تُعقد في روما تمنح إيطاليا مصداقية أكبر ودورًا أوسع، لأن قبول الجانبين الإسرائيلي واللبناني عقد هذه الاجتماعات في روما يعني، برأيه، وجود تقاطع حول دورها، بغض النظر عما إذا كانت المحادثات تُجرى داخل السفارة الأميركية في روما أم لا.
في المحصلة، لا تبدو زيارة قائد الجيش إلى روما مجرّد زيارة عسكرية، بل تحمل دلالات سياسية وميدانية تتصل مباشرة بالمرحلة المقبلة في الجنوب وإعادة توزيع الأدوار بعد "اليونيفيل". وإيطاليا، التي تبدو حتى الآن الأكثر قبولًا بين الأطراف المعنية، قد تنتقل من دور الداعم للجيش اللبناني إلى دور أكثر تقدمًا في آليات التحقق والمراقبة ومواكبة تنفيذ الاتفاق. ومع استمرار الخلاف حول أدوار دول أخرى، تتعزّز مكانة روما كأحد مفاتيح المرحلة المقبلة، بما يجعل الزيارة أبعد من إطار التعاون الثنائي، لتصب في تثبيت الدور الإيطالي في معادلة الجنوب الجديدة.