في 10 تشرين الأول المقبل، تنطلق أول رحلة جوية من مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات متجهة إلى المملكة العربية السعودية، في خطوة تمهد لإعادة تشغيل المطار وافتتاحه رسميا بعد سنوات من التوقف. خطوة تفتح الباب على مصراعيه أمام وضع هذا المطار على خارطة المطارات التي تحظى بثقة شركات الطيران العربية والعالمية، وكما يقال: أول الغيث قطرة.
إلا أن أهمية ما سيشهده مطار القليعات في ذلك التاريخ لا تقتصر على هذه الرحلة فحسب، بل إن نافذة واسعة إضافية يرجح أن تفتح أمام تطويره، تتمثل في الزيارة المرتقبة لوفد إماراتي موسع يضم عشرات رجال الأعمال إلى لبنان يومي 26 و27 آب، لتوقيع اتفاقات مع القطاع الخاص اللبناني. كما يتوقع أن يقترح الوفد تقديم خدمات وتطويرها في المطار والمرافئ والمعابر الحدودية.
وعما ينتظر مطار القليعات من مشاريع ورؤى مستقبلية، إضافة إلى دلالات الرحلة التي ستنطلق منه إلى السعودية، تحدث النائب السابق طلال المرعبي، الذي كان من أوائل الذين طالبوا بتشغيل المطار عندما كان في الندوة البرلمانية، مستذكرا مسيرة طويلة من العمل لإخراج هذا المرفق من دائرة الحلم إلى حيز التنفيذ.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات ليس فكرة جديدة، بل سبق أن استخدم في مراحل سابقة، لا سيما خلال الفترات التي كانت فيها الطرقات مقطوعة بسبب الحروب والأوضاع الأمنية في لبنان، مشيرا إلى أنه كان يسافر من بيروت إلى القليعات على متن طائرات الميدل إيست.
وروى المرعبي أنه رافق في إحدى الرحلات رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط الراحل سليم سلام، الذي أكد له آنذاك أن المطار يتمتع بمواصفات ومساحات واسعة جدا تؤهله ليكون مرفقا مهما على مستوى لبنان، موضحا أن سلام شجعه في حينه على العمل لتحويل المطار من عسكري إلى مدني. ولفت إلى أن قانونا صدر في العام 2001 في هذا الإطار.
وقال إنه خلال عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بُحث جديا في تحويل المطار إلى مطار مدني، وأن الحريري كلفه متابعة الموضوع والبحث عن شركات يمكن أن تتولى تمويل المشروع وتشغيله وفق نظام (بي أو تي)، وصولا إلى طرح نظام (دي بي أو تي) أي التصميم والبناء والتشغيل ثم التحويل، نظرا إلى الحيوية التي يتمتع بها المطار، مشيرا إلى أن لبنان يحتاج إلى أكثر من مطار. ولفت إلى أن الظروف السياسية آنذاك، لا سيما موقف النظام السوري، حالت دون استكمال المشروع، قبل أن تتغير الظروف ويعاد فتح الملف من جديد.
وشدد المرعبي على أنه لا يعتبر مطار القليعات حلما، لأن الأحلام قد تتحقق وقد لا تتحقق، بل يعتبره مطارا أساسيا وحيويا للبنان، وليس لعكار أو للشمال فقط، لما يتمتع به من مزايا ومساحات واسعة، مقدّرا الجهود التي بذلها العهد والحكومة ورئيسها في إعادة إعطاء المطار حقه، وصولا إلى تلزيمه. وأكد أن المطلوب اليوم عدم الاكتفاء بتسيير رحلات محدودة، بل العمل على استمراره وتوسيعه وتطوير خدماته.
وتحدث عن ضرورة أن يكون مطار القليعات مطارا متكاملا للركاب والشحن والنقل، وأن يشكل رافدا مكملا لمطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا منافسا له، داعيا إلى إقامة شبكة مواصلات متطورة تربطه بمختلف المناطق اللبنانية. كما طرح إمكان توفير خطوط نقل برية وبحرية وربما سككية، بما يسهل وصول المسافرين من بيروت ومختلف المناطق إلى القليعات.
ولفت المرعبي إلى أن الدراسات السابقة أظهرت قدرة المشروع على توفير نحو 2400 فرصة عمل لأبناء المنطقة في حال توسعته وتطويره، مؤكدا أن الأمر يجعل المطار مشروعا إنمائيا ووطنيا في آن.
وعن دلالة انطلاق أول رحلة إلى المملكة العربية السعودية في 10 تشرين الأول، رأى أن اختيار المملكة يحمل مدلولا تاريخيا ومعنى كبيرا، معتبرا أنها كانت على الدوام إلى جانب لبنان، منذ عهد الملك فهد بن عبدالعزيز مرورا بالملك عبدالله بن عبدالعزيز وصولا إلى عهد الملك سلمان. وقال إن السعودية "حاضنة للبنان" ولم تكن لها أطماع فيه، آملا في أن يكون لها دور في إنماء المطار وتوسيعه وتمويل المشاريع المرتبطة به، وصولا إلى وضعه في مصاف المطارات الدولية.
وفي ما يتعلق بزيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي المرتقبة، كشف المرعبي عن تجربة سابقة تعود إلى سنوات، عندما زاره مسؤول عن منطقة جبل علي في دبي برفقة رجل الأعمال اللبناني جوزيف عريجي، وكان يبحث في إقامة منطقة حرة في عكار تستفيد من وجود المطار، موضحا أن المسؤول طرح حينها شراء نحو 10 ملايين متر مربع لإقامة منطقة حرة على غرار منطقة جبل علي. وأكد أن وجود المطار كان أحد العناصر الأساسية في هذا الطرح.
ورأى أن زيارة الوفد الإماراتي الحالي يمكن أن تفتح الباب أمام مشاريع مماثلة، شرط توافر الأمن والاستقرار في لبنان، معتبرا أن عدم الاستقرار هو العامل الأساسي الذي يحرم البلاد من الاستثمارات العربية والأجنبية. ووجه رسالة واضحة إلى جميع القوى السياسية، قائلا: اتركوا لبنان يرجع يعيش، من جنوبه إلى شماله.
وفي ما يتعلق بأهمية المطار لعكار والشمال، أكد المرعبي أن موقعه الجغرافي ومساحاته الواسعة وقربه من الحدود السورية تمنحه أهمية استراتيجية، فضلا عن قدرته على تخفيف الضغط عن مطار بيروت. وقال إن تطويره يجب أن يشمل توسيع صالات الركاب وإنشاء عنابر للشحن ومرافق صناعية واستثمارية، بما يتيح استقطاب الاستثمارات العربية والأجنبية.
ولفت إلى أن طموحه هو أن يصبح مطار القليعات مطارا دوليا بكل معنى الكلمة، ومكملا لمطار رفيق الحريري الدولي، مشددا على أن موقعه القريب من الحدود السورية، وقدرته على استيعاب أعداد كبيرة من المسافرين والشحن، يجعلان منه مرفقا حيويا للبنان كله، وليس لعكار والشمال فحسب.
وفي ضوء ما تقدم، لبنان اليوم بأمس الحاجة إلى كم كبير من المشاريع التي تمد له يد العون وتنتشله من كبوته الراهنة، بعدما تراكمت الأزمات وتعطلت عجلة الإنماء على مدى سنوات طويلة. كبوة بدأت مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري قبل أكثر من عقدين، ومنذ ذلك الحين، يبدو أن لبنان لم يدق مسمارا واحدا في مشاريع البنى التحتية والحيوية على امتداد مساحته، فيما تواصلت الأزمات وتعاظمت الحاجات وبقيت المشاريع أسيرة الوعود.