August 24, 2026   Beirut  °C
سياسة

صلاح سلام: السعودية لم تغادر لبنان ولم تتركه.. بل حمت أمنها من التهريب

لم يعد السؤال مقتصرا على أهمية الزيارة التي قام بها سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان فهد الدوسري إلى معبر المصنع الحدودي، واطلاعه على إجراءات المراقبة والتفتيش والسكانر الجديد المخصص للكشف عن محتويات الشاحنات المتجهة إلى سوريا، بل يتجاوز ذلك إلى ما بعد الزيارة، وما تحمله من دلالات وأبعاد على مستوى العلاقات بين بيروت والرياض.

فبعد سنوات طويلة لم تخل خلالها العلاقات اللبنانية - السعودية من التوتر والجفاء، على خلفية مواقف وحملات وممارسات بعض الأطراف اللبنانية، فضلا عن جعل الأراضي اللبنانية مصدرا لتهريب المخدرات، لا سيما حبوب الكبتاغون، إلى المملكة ودول الخليج، يبدو أن بيروت نجحت، خلال الفترة الأخيرة، في تقديم مقاربة مختلفة تقوم على تشديد الرقابة ومكافحة التهريب وتعزيز دور المؤسسات الرسمية.

وقد شهدت الأشهر الماضية عمليات عدة لضبط شحنات من المخدرات كانت معدة للتهريب إلى السعودية، بالتوازي مع خطوات أمنية وقضائية لتعزيز التعاون مع الجانب السعودي.


وكانت إحدى أبرز ثمار هذا المسار قرار المملكة في حزيران الماضي استئناف استقبال الصادرات اللبنانية، بعد حظر استمر 5 سنوات، في خطوة عكست استعادة جزء مهم من الثقة بين البلدين وفتحت الباب أمام عودة المنتجات اللبنانية إلى السوق السعودية والأسواق الخليجية.


أما الكلام المشجع الذي أطلقه السفير الدوسري من نقطة المصنع، وما تضمنه من إشادة بالخطوات التي تقوم بها الدولة اللبنانية وبجهود المسؤولين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فيحمل رسالة تتجاوز البعد الأمني والتقني للزيارة. فالمشهد، في توقيته ومضمونه، يوحي بأن العلاقات اللبنانية - السعودية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الثقة وتعزيز التعاون، وأن صفحة السنوات الماضية تتجه نحو الطي، في ظل رغبة سعودية واضحة في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها واستقرارها، وفتح آفاق أوسع للعلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.


وعن تلك الزيارة وأبعادها، قال ناشر ورئيس تحرير جريدة اللواء الصحافي صلاح سلام إن زيارة السفير السعودي فهد الدوسري إلى نقطة المصنع الحدودية، ومشاركته في تدشين الترتيبات الجديدة على هذا المعبر البري، تحمل أهمية خاصة، لا سيما وأنه عاين ميدانيا الإجراءات المعتمدة لمراقبة الصادرات اللبنانية والتأكد من محتويات الشحنات المتجهة إلى المملكة العربية السعودية، موضحا أن السفير الدوسري شاهد بنفسه انطلاق أول سيارة محملة بالصادرات اللبنانية نحو المملكة، واطلع على الإجراءات التي تتخذها السلطات اللبنانية والأجهزة المعنية لمراقبة الشحنات والتأكد من محتوياتها، فضلا عن التسهيلات التي تُوفر لتسهيل عملية التصدير إلى المملكة.


واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه الزيارة شكلت "شهادة ميدانية ومعاينة عملية" للترتيبات الجديدة والجدية التي تبديها الحكومة اللبنانية في تأمين وصول الصادرات إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، خالية من أي شوائب كانت تحصل في السابق، لا سيما لجهة عمليات تهريب المخدرات. وقال: أعتقد أن هذه الخطوة ستكون بداية لمرحلة جديدة من تنشيط العلاقات التجارية بين لبنان والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، بما يصب في مصلحة المزارع اللبناني والمصانع اللبنانية بالدرجة الأولى.


ورأى سلام أن الإشادة التي أطلقها السفير الدوسري من المصنع بدور السلطات اللبنانية وبالرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، تعكس جدية المملكة في متابعة التطورات الإيجابية الحاصلة في لبنان، مؤكدا، في المقابل، أن السعودية لم تغادر لبنان ولم تتركه، حتى في ذروة التأزم الذي شهدته العلاقات اللبنانية – السعودية. وأوضح أن المملكة اتخذت، في مرحلة سابقة، إجراءات هدفت إلى حماية أمنها القومي، عندما قررت منع دخول الصادرات اللبنانية إلى أراضيها، نتيجة تصاعد عمليات تهريب المخدرات، مؤكدا أن هذا القرار لم يكن تخليا عن لبنان أو عقابا للبنان.


وقال إن المملكة كانت تدرك تماما أن الحكومات اللبنانية السابقة لم تكن قادرة على فرض سيطرتها الكاملة على الأرض، معتبرا أن الدولة اللبنانية كانت في تلك المرحلة واقعة تحت تأثير "دويلة حزب الله"، على حد تعبيره، الأمر الذي جعل الحدود مشرعة أمام عمليات التهريب التي كانت تستهدف بصورة خاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.


وفي هذا السياق، لفت سلام إلى أن إشادة السفير الدوسري بالإنجازات التي تحققت في معبر المصنع تمثل شهادة ميدانية وعملية على الجدية التي لمسها بنفسه في تطبيق الإجراءات الجديدة، وعلى مستوى التنظيم والرقابة المعتمدين لمنع أي شحنة من العبور من دون إخضاعها للتدقيق اللازم، مشيرا إلى أن تدشين جهاز السكانر في معبر المصنع يشكل أحد أبرز هذه الإنجازات. وذكر أن الجهاز سبق أن تعرض لصدمات متعمدة بهدف تعطيله عن العمل أكثر من مرة.


وفي ما يتعلق بالخطوات التي ينبغي على لبنان القيام بها لتعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية واستعادة ثقتها بصورة كاملة، أكد أن رئيس الحكومة نواف سلام يعمل على تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية ومع الدول العربية الشقيقة، ضمن الإمكانيات المتاحة، كاشفا أن العمل قائم حاليا على إعادة تنشيط الاتفاقات التي أعدتها المملكة العربية السعودية في العام 2018، خلال حكومة الرئيس سعد الحريري، والتي تشمل مختلف مجالات التعاون الاقتصادي والمالي، إضافة إلى القطاعات الرياضية والثقافية والاجتماعية. وقال إن الظروف التي كان يمر بها لبنان في تلك المرحلة حالت دون توقيع تلك الاتفاقات وتنفيذها، مشيرا إلى أنها أصبحت اليوم موضع إعادة نظر بهدف تجديد مضمونها وتحديثها بما يتلاءم مع التطورات التي شهدها لبنان والمنطقة خلال السنوات الثماني الماضية.


وشدد سلام على أن إعادة تفعيل هذه الاتفاقات من شأنها أن تشكل خطوة إضافية على طريق تعزيز العلاقات اللبنانية - السعودية، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات.


ويبقى أن انفتاح لبنان على العالم العربي، لا سيما دول الخليج، في ظل عهد الرئيس جوزاف عون، يجب أن يترافق مع خطوات عملية وجدية من الدولة اللبنانية لترسيخ الثقة واستعادتها كاملة، من خلال تأكيد قدرتها على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وإحكام الرقابة على المعابر والحدود، ومنع أي عمليات تهريب تستهدف الدول العربية الشقيقة أو تمس بأمنها. فمن شأن ذلك أن يعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي والمتقدم عربيا، ويفتح الباب أمام عودة الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الخليجية والعربية، لتشكل رافعة أساسية لانتشال الاقتصاد اللبناني من أزمته وإعادة البلاد إلى سابق عهدها كوجهة رائدة للأعمال والاستثمار في المنطقة.