لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري يتعامل مع مواقف حزب الله وكأنها قابلة للتغيير من عين التينة، متجاهلًا أن مصدر القرار الاستراتيجي للحزب ليس في بيروت، بل في طهران.
لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري يتعامل مع مواقف حزب الله وكأنها قابلة للتغيير من عين التينة، متجاهلًا أن مصدر القرار الاستراتيجي للحزب ليس في بيروت، بل في طهران.
ففي لقائه أخيرًا وفد مجموعة العمل الأميركية برئاسة السفير إدوارد غبريال، أكد بري أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإلزام إسرائيل بالانسحاب، وأنه، في حال تحقق الانسحاب، يضمن انتشار الجيش اللبناني فورًا جنوب الليطاني، وأن يكون الجيش القوة الوحيدة الحافظة للأمن والتي تملك السلاح في المنطقة.
لكن تجربة الحرب الأخيرة تطرح سؤالًا حول قدرة بري على تقديم مثل هذه الضمانات، بعدما كان حزب الله قد تعهّد له بعدم الدخول في الحرب، ثم خالف هذا التعهّد. فكيف يبني بري ضماناته على قرار لا يملكه، فيما مفتاح قرار حزب الله خارج عين التينة؟
في هذا السياق، اعتبر الصحافي والكاتب السياسي مروان الأمين أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يقدم معادلة غير صحيحة، موضحًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادر على الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعلى إسرائيل، لكن مقابل هذا الضغط يجب أن يسلّم حزب الله سلاحه بالكامل. ورأى أن قدرة ترامب على الضغط على إسرائيل يجب أن تُستخدم لمصلحة لبنان، التي تقتضي الضغط على إسرائيل للخروج من الأراضي اللبنانية، وليس بما يخدم حزب الله.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الرئيس بري يدرك أن إسرائيل لن تخرج من الأراضي اللبنانية ما دام الحزب يحتفظ ببنيته التحتية العسكرية وسلاحه، مشيرًا إلى أن المعادلة التي تؤدي إلى مصلحة لبنان هي أن يسلّم حزب الله سلاحه، وينتشر الجيش اللبناني، ثم تخرج إسرائيل من الأراضي اللبنانية. أما طرح الانسحاب مقابل انتشار الجيش فقط، فيؤدي إلى نتيجة مختلفة ويخدم حزب الله.
وأوضح الأمين أن المشكلة في الجنوب ليست مشكلة انتشار الجيش اللبناني، لأن الجيش كان موجودًا على الحدود مع إسرائيل منذ عام 2006 وحتى عام 2023، إلى جانب اليونيفيل، لكن السيطرة الفعلية على الأرض كانت لحزب الله، لافتًا إلى أن الحزب كان، خلال هذه الفترة، يخزّن السلاح ويبني الأنفاق ويمارس نشاطه العسكري، فيما كان يتم غضّ النظر عن نشاطه.
وبيّن أن أي معادلة لا تعالج مسألة سلاح حزب الله هي ذرّ للرماد في العيون ومحاولة لشراء الوقت من دون الوصول إلى نتيجة، فيما يبقى الجنوبيون هم من يدفعون الثمن، سواء من الاحتلال أو القتل أو الدمار أو التهجير أو الذل. ولفت إلى أن وضع حد لهذا المسار يحتاج إلى جرأة ووضع اليد على الجرح، معتبرًا أن المطلوب معالجة جدية واستئصالية لإنقاذ الطائفة الشيعية والبلد، بدلًا من الاستمرار في معالجة الأزمة بحلول مؤقتة.
ورأى أن السيادة لا يجب أن تكون مجتزأة، وأن الحديث عن جنوب الليطاني دون شماله يصب في مصلحة منظومة حزب الله العسكرية ومصلحة الحرس الثوري الإيراني في لبنان. وأكد أن الدولة لا يمكن أن تكون صاحبة سيادة في منطقة وتغيب سيادتها عن منطقة أخرى، لأن هيبة الدولة واحدة، ولا يمكن أن تكون موجودة جنوب الليطاني وغير موجودة شماله، فيما تبقى السيطرة على الأرض مرتبطة بقرار حزب الله.
وفي ما يتعلق بموقف بري، أكد الأمين أن الرئيس بري يدرك أن القرار المتعلق بالحرب والسلم ليس في عين التينة، بل في طهران، لكنه، رغم ذلك، لا يزال يؤمّن الغطاء السياسي لهذا المشروع. واعتبر أن منظومة حزب الله عسكرية يديرها الحزب، وسياسية للحرس الثوري الإيراني وإيران، يديرها الرئيس بري ويؤمّن من خلالها الغطاء السياسي لحزب الله.
في النهاية، تبدو ضمانات بري خارج الحسابات، بعدما سبق أن خُرقت تعهّدات مماثلة من حزب الله. والمعادلة التي يفترض أن يعمل عليها بري، إذا كانت لكلمته فعلًا قيمة وتأثير، هي محاولة الدفع نحو تسليم سلاح حزب الله بالكامل، لا الاكتفاء بضمان انتشار الجيش جنوب الليطاني. فالمشكلة ليست في وجود الجيش، بل في حصرية القرار والسلاح بيد الدولة.