August 24, 2026   Beirut  °C
سياسة

إيلي محفوض لـ"بالعربي": ضعوا شيباني في طائرة واطردوه... لا سفير فوق سيادة لبنان

مع اقتراب انتهاء تأشيرة السفير الإيراني محمد رضا شيباني في 24 آب، ينتقل ملفه من دائرة التجاذب الدبلوماسي إلى اختبار فعلي لطبيعة العلاقة بين بيروت وطهران، ولا سيما بعد الموقف الواضح لوزارة الخارجية اللبنانية برفض تجديد تأشيرته، بعدما كان لبنان قد رفض اعتماده واعتبره شخصًا "غير مرغوب فيه".

القضية، في ظاهرها، دبلوماسية تحكمها القواعد المنظمة للعلاقات بين الدول، لكنها تحمل في خلفياتها أبعادًا سياسية تتجاوز مصير سفير إلى حدود احترام القرار اللبناني وقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذه. فمع تمسك وزير الخارجية يوسف رجي بالموقف اللبناني واعتباره نهائيًا وغير قابل للتسوية أو التأويل، يصبح تاريخ 24 آب محطة أساسية لمعرفة المسار الذي سيسلكه الملف.


فماذا لو انتهت التأشيرة ولم يغادر شيباني؟ وما الإجراءات التي تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذها؟ وهل يبقى الخلاف محصورًا بين وزارتي الخارجية في البلدين، أم ينتقل إلى أزمة سياسية ودبلوماسية أوسع؟


هذه الأسئلة تكتسب أهمية إضافية في ضوء خصوصية العلاقة بين إيران ولبنان، والنفوذ السياسي والأمني الذي تتمتع به طهران عبر علاقتها بحزب الله. ومن هنا، لا يعود النقاش مقتصرًا على وضع دبلوماسي إيراني، بل يتصل بمسألة أكثر جوهرية: مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض قرارها عندما يتعلق الأمر بملف شديد الحساسية في علاقتها مع طهران.


وفي هذا السياق، قال رئيس حزب حركة التغيير، المحامي إيلي محفوض، إن إعلان دبلوماسي شخصًا غير مرغوب فيه لا يعني أن لبنان يحتاج إلى إذن من إيران لتنفيذ قراره.


وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تمنح الدولة المضيفة حق إعلان رئيس البعثة أو أي دبلوماسي persona non grata، وعلى الدولة الموفِدة أن تستدعيه أو تنهي مهامه. كما أن المادة 41 تلزم الدبلوماسيين باحترام قوانين الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.


وأشار محفوض إلى أنه، وبحسب آخر موقف معلن، أكد وزير الخارجية يوسف رجي أن تأشيرة محمد رضا شيباني تنتهي في 24 آب، وأنه لا تجديد لها، معتبرًا أن بقاءه بعد اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه لا يستند إلى أي أثر قانوني يجيز استمراره.


وقال: "أنا مع هذا الموقف، وأضيف أن بقاء شيباني في لبنان أمر غير قانوني، ولزامًا وضعه في طائرة وطرده من لبنان".


ومن الإطار القانوني، ينتقل محفوض إلى البعد السياسي للقضية، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز مسألة بقاء سفير أو مغادرته إلى كيفية تعامل الدولة اللبنانية مع أي محاولة لتجاوز قرار صادر عن مؤسساتها.


أما سياسيًا، فأوضح محفوض أن المسألة أكبر بكثير من قصة سفير، عارضًا الموقف على الشكل الآتي:


"ماذا بعد كلام الوزير رجي؟ وماذا يعني بقاء السفير الإيراني؟"


وطرح السؤال: ماذا يستطيع الوزير يوسف رجي أن يفعل؟ مضيفًا أن السؤال الأهم هو: ماذا ستفعل الدولة اللبنانية إذا قررت دولة أجنبية أن تتحدى قرارها السيادي علنًا؟


وأشار إلى أن لبنان أعلن أن السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخص غير مرغوب فيه، وبالتالي فإن المسألة لم تعد مسألة تفاوض أو تسوية أو مجاملة دبلوماسية. وأوضح أن الدولة المضيفة اتخذت قرارها، وأن الدبلوماسي الذي سُحبت عنه الصفة المقبولة لا يستطيع أن يتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.


ولفت محفوض إلى أن الأخطر من ذلك هو أن طهران تتعامل مع القرار اللبناني بمنطق الاستعلاء، وكأن لبنان ليس دولة مستقلة، وكأن قرار وزارة الخارجية اللبنانية قابل للتجاهل، وكأن وجود سفير إيراني في بيروت حق لإيران لا تملك الدولة اللبنانية حق رفضه.


وقال إن "هذه ليست دبلوماسية، بل وقاحة سياسية في التعامل مع دولة ذات سيادة".


وأمام هذا الواقع، يطرح السؤال حول الأدوات التي تستطيع الدولة اللبنانية استخدامها إذا تجاوز الملف حدود الموقف السياسي وتحول إلى رفض فعلي لتنفيذ القرار. وهنا، يميز محفوض بين صلاحيات وزير الخارجية منفردًا وبين الأدوات التي تملكها الدولة بمؤسساتها.


وعند سؤاله: "ماذا يستطيع الوزير رجي أن يفعل؟"، قال محفوض إن الوزير لا يستطيع، منفردًا، أن يحوّل الموضوع إلى مواجهة أمنية، لكن الدولة اللبنانية تملك أدوات دبلوماسية وقانونية واضحة ومتدرجة.


وأوضح أن الخطوة الأولى تتمثل في التمسك بقرار اعتبار السفير شخصًا غير مرغوب فيه، وعدم منحه أي تمديد أو غطاء إداري يسمح له بالبقاء.


وأضاف محفوض أنه، بعد انتهاء المهلة القانونية، على السلطات اللبنانية المختصة تطبيق قرار الدولة وفق الأصول القانونية، وعدم السماح بأن يتحول القرار السيادي إلى مجرد بيان سياسي.


وأشار إلى ضرورة استدعاء القائم بالأعمال الإيراني وإبلاغه رسميًا بأن استمرار شيباني في لبنان يمثل تحديًا لقرار الدولة.


وتابع محفوض أنه إذا استمرت إيران في رفض القرار، يصبح من المشروع سياسيًا ودبلوماسيًا الانتقال إلى إجراءات أشد، وصولًا إلى خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية أو قطع العلاقات الدبلوماسية إذا استمر التحدي.


وقال: "فلا معنى للعلاقات الدبلوماسية إذا كانت إحدى الدولتين تعتبر نفسها فوق قرارات الدولة الأخرى".


ولا يفصل محفوض هذه الحالة عن القواعد التي تحكم العلاقات الدبلوماسية عمومًا، إذ يطرح مقارنة مع ما يمكن أن يحدث لو واجهت أي دولة أخرى موقفًا مماثلًا مع سفير أجنبي لديها.


وعند سؤاله عما لو فعلت دولة أخرى ما تفعله إيران، أشار محفوض إلى أنه يمكن افتراض أن سفير دولة أوروبية أو عربية أو آسيوية أُعلن شخصًا غير مرغوب فيه، ثم أعلنت حكومته رفضها للقرار، مؤكدةً أن "لن يغادر، وسيبقى في الدولة المضيفة رغم قرارها".


وتساءل عما إذا كانت الدولة المضيفة ستقبل بذلك، وما إذا كانت الدولة المرسِلة ستعتبر بقاء سفيرها أمرًا طبيعيًا، مشيرًا إلى أن الجواب سيكون بالطبع بالنفي، إذ كان الأمر سيُعامل كأزمة دبلوماسية خطيرة، وقد يتطور إلى استدعاء السفير، وخفض مستوى التمثيل، واتخاذ إجراءات مقابلة، وصولًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية.


ومن هنا، يطرح محفوض السؤال: فلماذا يُطلب من لبنان أن يقبل ما لا تقبله أي دولة تحترم سيادتها؟


وأوضح أن المسألة ليست مجرد خلاف سياسي بين بيروت وطهران، مشيرًا إلى أن هناك قواعد دولية تحكم العلاقات الدبلوماسية بين الدول. ولفت إلى أن اتفاقية فيينا واضحة في المادة 9 بشأن حق الدولة المضيفة في إعلان الدبلوماسي شخصًا غير مرغوب فيه، كما أن المادة 41 تفرض على أعضاء البعثة احترام قوانين الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.


وأضاف محفوض أن الإصرار على بقاء شخص أعلنت الدولة اللبنانية عدم رغبتها في وجوده، رغم قرار السلطات اللبنانية، يحوّل القضية من خلاف دبلوماسي إلى تحدٍّ مباشر لسيادة الدولة اللبنانية.


وشدد على أن الموقف اللبناني يجب أن يكون واضحًا: "لا سفير فوق سيادة لبنان، ولا دولة أجنبية فوق قرار الدولة اللبنانية".


ومن هنا، يوسع محفوض دائرة النقاش، رابطًا قضية السفير بطبيعة الحضور الإيراني في لبنان، ومعتبرًا أن قراءة الملف لا تكتمل، من وجهة نظره، من دون التوقف عند علاقة طهران بحزب الله وانعكاساتها على سلطة الدولة وقرارها.


وانتقل محفوض إلى الجانب السياسي، معتبرًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن إيران لا تتعامل مع لبنان فقط عبر سفارتها، بل تدخلت بصورة مباشرة وغير مباشرة في الشأن اللبناني، وارتبط نفوذها في لبنان برعاية وتمويل وتسليح وتشغيل ميليشيا مسلحة هي حزب الله، بما جعل جزءًا من القرار الأمني والعسكري اللبناني، بحسب تعبيره، مرتبطًا بإرادة خارجية.


وأضاف أن قضية السفير تصبح، في هذا السياق، جزءًا من صورة أكبر، قائلًا إن إيران لا تريد فقط أن يكون لها نفوذ دبلوماسي في لبنان، بل تسعى إلى الاحتفاظ بنفوذ سياسي وأمني وعسكري من خلال قوة مسلحة خارج سلطة الدولة.


واعتبر محفوض أن ذلك يعني عمليًا تحويل لبنان إلى ساحة لخدمة المصالح الإيرانية ومشروعها الإقليمي، بدل أن يكون دولة تقرر وحدها الحرب والسلم والسياسة الخارجية والأمن الوطني.


وتساءل: "فهل يُعقل أن تقبل دولة مستقلة بأن يكون لديها سفير أجنبي يتحدى قرار وزارة خارجيتها، وفي الوقت نفسه قوة مسلحة مرتبطة بالدولة نفسها تتحدى قرارات الدولة اللبنانية؟"


واعتبر محفوض أن "هذه ليست علاقة بين دولتين متكافئتين، بل محاولة لإبقاء لبنان داخل دائرة النفوذ الإيراني".


وبناءً على هذه القراءة، ينتقل النقاش إلى الخطوات التي يفترض محفوض أن تتخذها الدولة إذا أرادت منع تحول موقفها الرسمي إلى قرار غير قابل للتنفيذ.


ورأى أن الدولة اللبنانية، إذا أرادت أن تثبت أن قرارها السيادي ليس مجرد كلام، فعليها أن تتصرف على قاعدة واضحة: القرار اللبناني يُنفذ، ولا يُفاوض عليه تحت الضغط.


وأوضح محفوض أن المطلوب أولًا عدم تجديد تأشيرة السفير، وعدم إجراء أي تسوية لوضعه تحت أي مسمى، وعدم الالتفاف على قرار اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي اللبنانية وفق الأصول القانونية.


وشدد على ضرورة تحميل أي جهة رسمية أو غير رسمية تعرقل تنفيذ القرار مسؤوليتها القانونية والسياسية، إلى جانب استدعاء القائم بالأعمال الإيراني وإبلاغه رسميًا بخطورة استمرار هذا التحدي.


ولفت محفوض إلى ضرورة اتخاذ إجراءات دبلوماسية تصاعدية إذا رفضت طهران احترام القرار اللبناني، وصولًا إلى وضع قطع العلاقات الدبلوماسية على الطاولة إذا تحولت المخالفة إلى سياسة إيرانية ممنهجة تجاه الدولة اللبنانية.


أما السيناريو الأكثر تعقيدًا، فيرتبط بإمكان تدخل قوة مسلحة غير تابعة للدولة لمنع تنفيذ القرار أو حماية بقاء السفير، وهو ما ينقل القضية، وفق طرح محفوض، من خلاف دبلوماسي إلى مسألة تتصل مباشرة بسلطة الأجهزة الرسمية.


واعتبر أن الرسالة في هذا الجانب يجب أن تكون أكثر صراحة، موضحًا أنه إذا احتاج دبلوماسي أجنبي إلى قوة مسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية لحمايته من قرار صادر عن الدولة اللبنانية، فإن الأمر لا يعود حماية دبلوماسية، بل يتحول إلى مواجهة بين الدولة وواقع أمني مفروض عليها.


ومن هنا، شدد محفوض على أن أي مسلح أو مجموعة مسلحة تتولى حماية شخص موجود خلافًا لقرار الدولة، أو تمنع الأجهزة الرسمية من تنفيذ قراراتها، لا ينبغي أن تُعامل كطرف سياسي أو كوسيط.


وقال: "المسلح الذي يحمي تحدي الدولة لا يحمي السيادة، بل يشارك في تحديها".


وأكد محفوض ضرورة تحميل كل من يعرقل تنفيذ قرارات الدولة مسؤوليته القانونية، أيًا كان اسمه أو موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها.


وبذلك، يصل محفوض في مقاربته إلى جوهر موقفه من القضية، وهو أن ملف السفير يشكل، بالنسبة إليه، امتحانًا يتجاوز العلاقات اللبنانية - الإيرانية إلى قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ قراراتها.


ورأى أن الدولة اللبنانية تُختبر اليوم في قضية تبدو دبلوماسية، لكنها في الحقيقة اختبار للسيادة وهيبة الدولة.


وأضاف محفوض أنه إذا استطاعت دولة أجنبية أن تقول للبنان: "لن ننفذ قراركم"، واستطاعت قوة مسلحة أن تمنع الدولة من تنفيذ قرارها، يصبح السؤال عندها: أين هي الدولة؟


وشدد على أنه لا يجوز أن تتحول قضية السفير الإيراني إلى تسوية جديدة تُضاف إلى سلسلة التسويات التي أضعفت هيبة الدولة.


وأكد محفوض أن لبنان دولة مستقلة، وأن وزارة الخارجية اللبنانية هي صاحبة القرار في العلاقات الدبلوماسية، وأن السفير الذي أُعلن شخصًا غير مرغوب فيه عليه أن يغادر، ولا إيران ولا حزب الله ولا أي قوة مسلحة تملك حق تعطيل قرار الدولة.


ولفت إلى أنه إذا أصرت طهران على تحدي لبنان، فيجب أن يكون الجواب واضحًا: "من لا يحترم سيادة لبنان، لا يمكن أن يطالب لبنان باحترام علاقات دبلوماسية من طرف واحد".


وشدد محفوض على أن "السيادة ليست بيانًا يُصدر، بل قرارًا يُنفَّذ؛ فإما أن يكون لبنان دولة، أو يبقى ساحة، ولا يمكن أن يكون الاثنين معًا".


وأكد أن النقطة الأقوى في الموقف السياسي هي عدم اختصار القضية في مجرد "إخراج سفير"، بل تحويلها إلى اختبار لهيبة الدولة: إذا كان السفير غير مرغوب فيه ومع ذلك يبقى، فمن الذي يملك القرار في لبنان؟ ومن هنا، يصبح الانتقال من ملف السفير إلى ملف النفوذ الإيراني والميليشيا والسلاح غير الشرعي، بحسب محفوض، جزءًا من جوهر القضية وليس مجرد هجوم سياسي.


في المحصلة، يتجاوز ملف محمد رضا شيباني مسألة انتهاء تأشيرة دبلوماسية ليضع العلاقة بين بيروت وطهران أمام محطة جديدة. فالقرار اللبناني بات معلنًا، والمهلة محددة، وما سيلي 24 آب سيحدد طبيعة المسار المقبل: مغادرة تنهي الملف ضمن الأطر الدبلوماسية، أم أزمة تفتح الباب أمام إجراءات لبنانية إضافية.


وبين البعد القانوني للعلاقة بين الدولة المضيفة والبعثات الدبلوماسية، والبعد السياسي المرتبط بالنفوذ الإيراني في لبنان، يبقى جوهر القضية مرتبطًا بقدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ ما تقرره. وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحول مصير سفير إلى سؤال أكبر يتصل بهيبة الدولة وحدود سيادتها ومن يملك القرار على أرضها.