August 19, 2026   Beirut  °C
سياسة

لبنان في سباق "العين الدولية".. ناجي علي أمهز لـ"بالعربي": الجنوب أمام مفترق حاسم والقرار 1701 خط الدفاع الأول

يدخل لبنان النصف الثاني من عام 2026 أمام استحقاق دبلوماسي بالغ الحساسية، لا يتعلق فقط بمصير قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل"، بل يتجاوز ذلك إلى مستقبل الحضور الدولي في الجنوب، وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه القوات في تثبيت الاستقرار ودعم الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون، الاثنين، ضرورة التمديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، معتبرًا أن وجودها يشكل عاملًا أساسيًا للاستقرار في الجنوب، ومشددًا على أن أي بديل عن التمديد يجب أن يضمن استمرار وجود قوات دولية ضمن إطار قانوني وبالتنسيق مع الجيش اللبناني.


وجاء موقف عون خلال استقباله النائب ملحم خلف على رأس وفد نيابي، في إطار تحرك نيابي للمطالبة بالتمديد لـ"اليونيفيل"، التي تنتهي ولايتها نهاية عام 2026، وسط نقاش دولي متصاعد حول مستقبل القوة ومهمتها.


ومن هنا، يبرز السؤال الأهم: من ستكون له العين الدولية على الجنوب بعد انتهاء الولاية الحالية؟


وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي ناجي علي أمهز إن قرار مجلس الأمن الرقم 2790، الصادر في آب 2025، حدد 31 كانون الأول 2026 موعدًا لانتهاء العمليات الأساسية لـ"اليونيفيل" وبدء خفض عديدها وانسحابها المنظم والآمن.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن هذا يعني أن لبنان لا يقف أمام لحظة تختفي فيها القوات الدولية في يوم واحد، بل أمام مرحلة انتقالية ستعيد رسم شكل الحضور الدولي في الجنوب، وما إذا كان هذا الحضور سيبقى قادرًا على مراقبة الخروقات وتثبيت الاستقرار ومنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة أمام القوة العسكرية.


ولفت أمهز إلى أن الجنوب، الذي يعاني من الحروب والاحتلالات والاعتداءات، لا يستطيع أن يتحول، بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، إلى منطقة رمادية بلا عين دولية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب على الحدود، واحتمال أن تعاود التمدد إلى الداخل اللبناني، وعدم اكتمال مسار تثبيت وقف إطلاق النار، وبقاء القرار 1701 أساسًا لأي ترتيبات أمنية وسياسية في المنطقة.


وفي المقابل، شدد على أن لبنان لم يبق متفرجًا على ما يجري في الكواليس الدولية.


وكشف أمهز أن مجلس النواب شهد تحركًا واسعًا توج بعريضة وقع عليها 86 نائبًا، أي أكثر من ثلثي أعضاء المجلس، للمطالبة بتجديد ولاية "اليونيفيل" وتعزيز دورها في الجنوب.


واعتبر أن العريضة قد لا تمثل إجماعًا نيابيًا كاملًا، لكنها تحمل دلالة سياسية كبيرة، إذ تعكس أن غالبية واسعة من القوى النيابية ترى أن إنهاء الوجود الدولي من دون إيجاد بديل واضح قد يفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي لا يستطيع لبنان تحمل نتائجه.


وأشار أمهز إلى أن الجيش اللبناني، الذي يثبت حضوره في الجنوب ويؤدي دوره الوطني، يحتاج إلى دعم دولي وإلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة تسمح له باستكمال مهمته.


وأضاف أن وجود القوات الدولية لا ينبغي أن يقرأ بوصفه بديلًا عن الدولة اللبنانية ووحدة الشعب، بل باعتباره، في هذه المرحلة الانتقالية، شريكًا في تثبيت سلطة الدولة، وحماية الاستقرار، ومنع الانزلاق إلى المجهول.


وقال أمهز إن معركة الرئيس العماد جوزاف عون في قصر بعبدا تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد المطالبة بتمديد تقني لولاية "اليونيفيل".


وبين أن المطلوب لبنانيًا هو ألا يتحول انتهاء الولاية الحالية إلى نهاية للدور الدولي في الجنوب، بل إلى انتقال منظم نحو صيغة جديدة تحفظ المراقبة الدولية، وتدعم الجيش اللبناني، وتمنع الفراغ.


وأضاف أمهز أن الحركة الدبلوماسية للرئيس عون تأتي في توقيت بالغ الأهمية، إذ يتوجه رئيس الجمهورية، خلال الأيام المقبلة، وحسب ما نشر في بعض الصحف اللبنانية، إلى إيطاليا، حيث يلتقي، في 20 آب، البابا لاوون الرابع عشر، كما يعقد لقاءات مع كبار المسؤولين في الفاتيكان، ويلتقي في روما الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.


وأكد أن أهمية هذه الزيارة تكمن في أنها لا تأتي في إطار بروتوكولي أو ثنائي فحسب، بل تحمل ملفًا جنوبيًا واضحًا، إذ يتركز البحث على الدور الذي يمكن أن تؤديه إيطاليا في آلية التحقق ضمن المناطق التجريبية، وعلى الدول التي يمكن أن تشارك في هذه المهمة.


وأشار أمهز إلى أن روما تصبح، هنا تحديدًا، واحدة من العواصم الأساسية في معركة "اليوم التالي". فإيطاليا ليست دولة أوروبية عابرة في الملف اللبناني؛ إنها من أبرز الدول المساهمة في "اليونيفيل"، ولها حضور عسكري وسياسي طويل في الجنوب، ولذلك فإن الدور الذي يمكن أن تؤديه في أي صيغة جديدة للتحقق والمراقبة قد يكون عاملًا أساسيًا في منع الفراغ.


ومن هنا، قال أمهز إن الدولة اللبنانية لا تخوض فقط معركة تمديد "اليونيفيل"، بل تسعى أيضًا إلى التأثير في شكل المرحلة التي ستلي انتهاء مهمتها.


وأضاف أن السؤال لم يعد: هل ترحل "اليونيفيل"؟ بل إن السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: ماذا سيأتي بعدها؟ وشدد على أن هذه النقطة يجب ألا تضيع في السجال السياسي. فالقرار 2790 لا يعني أن الجنوب سيستيقظ في الأول من كانون الثاني 2027 بلا أي وجود دولي، بل يفتح مسارًا لخفض عديد "اليونيفيل" وانسحابها بصورة منظمة خلال مرحلة انتقالية. وفي الوقت نفسه، هناك نقاش دولي حول كيفية تنفيذ القرار 1701 بعد انتهاء المهمة الحالية، وما الآليات التي يمكن أن تحل محلها أو تدعم الجيش اللبناني وتضمن استمرار نوع من الرقابة والتحقق.


وتابع أمهز أن المعركة، بذلك، تنتقل من سؤال "البقاء أو الرحيل" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من سيراقب؟ ومن سيتحقق؟ ومن سيرفع التقارير؟ ومن سيمنع أن تصبح الخروقات مجرد وقائع ميدانية بلا شاهد دولي؟ وهنا تحديدًا تكمن قيمة "العين الدولية".


وأوضح أن حزب الله يتعامل مع الملف بحذر شديد، ولا سيما تجاه أي صيغة دولية جديدة يمكن أن تتجاوز التنسيق مع الدولة اللبنانية أو تتحول إلى آلية أمنية تتخطى مهمتها التقليدية في المراقبة والتحقق. وفي المقابل، يبقى الحزب متمسكًا بمبدأ مواجهة أي اعتداء إسرائيلي، في وقت يصر فيه لبنان الرسمي على أن حماية الجنوب لا يمكن أن تكون خارج إطار الدولة ومؤسساتها ومرجعياتها الشرعية.


وشدد أمهز على أن المرحلة المقبلة تبدو دقيقة للغاية، لأن أي صيغة دولية جديدة تحتاج إلى توافق لبناني، وإلى قبول دولي، وإلى وضوح في الصلاحيات، حتى لا تتحول مهمة المراقبة إلى مواجهة سياسية جديدة داخل لبنان.


وعلى المقلب الآخر، قال إن إسرائيل تنظر إلى مرحلة ما بعد "اليونيفيل" من زاوية مختلفة، فهي لا تريد العودة ببساطة إلى الصيغة السابقة، وتدفع باتجاه ترتيبات أمنية جديدة تضمن، من وجهة نظرها، منع إعادة بناء قدرات حزب الله قرب الحدود.


وأكد أمهز أن الدولة اللبنانية ترفض أي ترتيبات جديدة قد تتحول إلى غطاء سياسي لحرية عسكرية إسرائيلية مفتوحة في الجنوب، مشيرًا إلى أن لبنان يحتاج إلى "العين الدولية" لتكذيب الروايات الإسرائيلية التي تستغل لإحداث المزيد من الدمار في الجنوب وإضعاف الكيان اللبناني.


وأشار إلى أن الدولة اللبنانية أكدت أن حماية أمن الحدود يجب أن تكون في إطار القرار 1701 والقانون الدولي وسيادة الدولة اللبنانية، لا من خلال تحويل الجنوب إلى منطقة تتحكم فيها القوة العسكرية وحدها.


وأضاف أمهز أن الجنوب ليس فراغًا جغرافيًا، وليس أرضًا بلا أهل، وليس ساحة تجارب للترتيبات الأمنية الإقليمية الجارية في المنطقة، بل هو أرض لبنانية يعيش فيها مواطنون لبنانيون، ومن حقهم أن يعودوا إلى قراهم وأن يعيشوا فيها بأمن وكرامة.


وفي قراءة لهذا المشهد، قال إن فرنسا وإيطاليا أمام مسؤولية خاصة، فالدولتان تدركان أن خروج "اليونيفيل" من دون صيغة بديلة قد يترك فراغًا يصعب ضبطه، ولذلك برز بحث أوروبي في تشكيل ائتلاف أو صيغة دولية جديدة لدعم لبنان بعد انتهاء المهمة الحالية.


واعتبر أمهز أن هذا التطور مهم، لأنه يعني أن المجتمع الدولي نفسه بدأ يتعامل مع مرحلة ما بعد "اليونيفيل" باعتبارها مشكلة تحتاج إلى حل، لا على أساس أن انتهاء الولاية يعني ببساطة إغلاق الملف.


وأضاف أن نجاح الرئاسة في تحويل هذا الاهتمام الأوروبي إلى صيغة عملية قد يتيح الانتقال من "يونيفيل" تنسحب إلى حضور دولي جديد يتطور تدريجيًا بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وعندها تكون الدولة اللبنانية قد ربحت نصف المعركة.


وقال أمهز إن لبنان اليوم أمام ثلاثة مسارات متداخلة: الأول، محاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الدور الحالي لـ"اليونيفيل"؛ والثاني، التأثير في صيغة الترتيبات التي ستلي انتهاء ولايتها؛ والثالث، تثبيت الجيش اللبناني باعتباره الركيزة الأساسية لأي منظومة أمنية مستقبلية في الجنوب.


وأكد أن هذه المسارات لا تتعارض، بل يمكن أن تتكامل إذا أحسن لبنان إدارة معركته الدبلوماسية، موضحًا أن المطلوب ليس أن تبقى القوات الدولية إلى الأبد، وليس المطلوب أن تبقى الدولة اللبنانية أسيرة أي وجود أجنبي، وإنما أن يكون الانتقال من "اليونيفيل" إلى أي صيغة جديدة انتقالًا منظمًا لا يترك الجنوب مكشوفًا.


وشدد أمهز على أن وجود قوات دولية تعمل وفق قرار مجلس الأمن ليس حلًا كاملًا، لكنه يساعد ويساهم في الاستقرار، في ظل ما وصفه بالتوحش الإسرائيلي، الذي يعلن صراحة تغيير قواعد الاشتباك من الجنوب إلى الجولان، وما يجري في غزة.


وقال إن الأمر معقد للغاية في ظل تجاذب دولي واضح، كما أن المرحلة الانتقالية قد تحتاج إلى الاثنين معًا؛ فالجيش اللبناني يحتاج إلى الدعم، والدولة تحتاج إلى الوقت، والجنوب يحتاج إلى الاستقرار، والمجتمع الدولي يحتاج إلى آلية تحقق تمنع أن يصبح القرار 1701 حبرًا على ورق.


وفي المحصلة، يبقى الرهان على حراك الرئيس عون ووحدة الشعب اللبناني، وعلى أن يكون القرار 1701 مرجعيته، فيما يكون المجتمع الدولي شاهدًا وضامنًا، لا متفرجًا بعد وقوع الكارثة، لأن الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الحروب والدمار.