August 19, 2026   Beirut  °C
سياسة

أحمد عياش: تمسك الحزب بتلة علي الطاهر يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة

بعد سبع جولات من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لا تزال الجولة الثامنة بلا موعد محدد، رغم الحديث عن استكمالها في روما مطلع أيلول. فمسار المناطق التجريبية لم يُستكمل بعد، ولا تزال الخلافات قائمة حول آلية تنفيذها والانتقال إلى مناطق أخرى. وفي المقابل، لم تُثمر الاتصالات لوقف التصعيد الإسرائيلي في الجنوب عن نتائج، مع بقاء تلة علي الطاهر نقطة أساسية في الخلافات والتهديدات الإسرائيلية.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وما يرافقها من حسابات سياسية وميدانية، تتعقد مهمة استكمال المفاوضات، فيما تبقى واشنطن أمام اختبار الحفاظ على مسار التفاوض ومنع التصعيد من التحول إلى حرب جديدة. فهل يكون تأخير الجولة المقبلة مجرد مسألة تقنية وسياسية مرتبطة بملفات التفاوض، أم أن التطورات الميدانية والاستحقاقات المقبلة تدفع المسار برمته نحو مزيد من التعقيد؟


في هذا السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي أحمد عياش أن عدم تحديد موعد الجولة الثامنة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل يرتبط بمجموعة من المعطيات التقنية والسياسية المتداخلة، مشيرًا إلى أن الجولة السابعة، التي عُقدت في روما، شهدت حديثًا من الجانب الأميركي عن عقد جولة ثامنة في روما أيضًا مطلع الشهر المقبل، إلا أن الذهاب إلى تحديد موعد محدد لم يحصل حتى الآن.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن معطيات الجولة السابعة أوحت باستمرار وجود هوة بين لبنان وإسرائيل في ما يتعلق بتنفيذ المناطق التجريبية، على قاعدة أن إسرائيل يجب أن تنطلق لتعطي إشارة إلى ما هو آتٍ في الجولات المقبلة أو إلى المناطق التجريبية الأخرى، لافتًا إلى أن هناك طرحًا لبنانيًا يقضي بأن تكون المنطقة التجريبية التالية منطقة بنت جبيل أو الخيام، بما يقرب المسار أكثر من الحدود اللبنانية–الإسرائيلية الدولية، إلا أن هذا الطرح لم يؤخذ به، فيما لا تزال المسألة مشوبة بكل أنواع التعقيدات، حتى في المنطقة التجريبية الأولى التي جرى الحديث عنها في زوطر الغربية.


وأشار عياش إلى أن ما حصل في الأيام الأخيرة، ولا سيما الغارات الإسرائيلية التي استمرت من السبت حتى الأحد الفائت، وما رافقها من أرتال النازحين مجددًا من منطقة النبطية، يوحي بأن الذهاب إلى المفاوضات يأتي في ظل تطور ميداني مقلق وخطير. وقال إن المناخات الحالية ليست مؤاتية للإسراع أو المضي قدمًا في كل ما تم الاتفاق عليه بشأن المناطق التجريبية، بما يسمح بأن تكون لدى المفاوضات معطيات ذات قيمة يمكن البناء عليها.


وأضاف أن هناك ملفًا آخر لم يُحسم بعد، يتعلق بالجهة التي ستتولى التدقيق في الواقع الميداني، بما يسمح بالسير قدمًا في تطبيق المناطق التجريبية. كما لفت إلى أنه جرى الحديث عن خمس دول مرشحة لتكون إحداها، أو أكثر من دولة، الطرف الذي يتولى التدقيق في مدى تنفيذ هذه المناطق ومسارها، إلا أن هذا الأمر لم يُحسم أيضًا، معتبرًا أن هذه الأطر العامة، إلى جانب التطورات الميدانية، يمكن ربطها بعدم تحديد الموعد الجديد للجولة الثامنة، ومؤكدًا أن المسألة تجمع بين الأسباب التقنية والسياسية في الوقت نفسه.


وفي ما يتعلق بالتصعيد الإسرائيلي في الجنوب وتلة علي الطاهر، رأى عياش أن الموقع العسكري المهم لحزب الله، الموجود في باطن الأرض تحت تلة علي الطاهر، لا يزال يمثل مسرحًا للمواجهة، مشيرًا إلى أنه كان وراء الأحداث الأخيرة التي حصلت في منطقة النبطية وسقط فيها ضحايا، بينهم أطفال ونساء.


وبين أن التصعيد الحالي مفتوح على كل الاحتمالات، موضحًا أن الأمر قد لا يبقى في إطار التصعيد، بل يمكن أن يتحول إلى فاتحة لحرب جديدة، وهو احتمال لا يمكن استبعاده في الظروف الراهنة. لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن المعطى الأميركي سيكون له وزن أساسي في إدارة هذه الأحداث، معتبرًا أن الولايات المتحدة قادرة على منع الحرب إذا أرادت ذلك.


وأفاد عياش بأن استمرار اعتبار الموقع المستهدف موقعًا تابعًا لحزب الله، في مقابل تمسك الحزب به وعدم تخليه عنه، قد يفتح احتمالًا آخر، إذ إن رفع الولايات المتحدة غطاءها، إذا صح التعبير، عن منع استهداف الموقع، قد يعني وجود موافقة أميركية على الذهاب بالأمور في هذا الاتجاه. وعندها، بحسب رأيه، تصبح المفاوضات هامشية، لأن اندلاع الحرب سيجعل من الصعب الذهاب إلى طاولة التفاوض، داعيًا إلى الانتظار ومراقبة المشهد بدقة.


ولفت إلى أن الولايات المتحدة في موقع "المايسترو" في إدارة واقع الشرق الأوسط في هذه المرحلة، بما في ذلك الواقع اللبناني، مشيرًا إلى ضرورة أخذ العلاقات الأميركية–الإسرائيلية في الاعتبار، خصوصًا أنها تمر اليوم بمرحلة حرجة تتصل بالانتخابات الإسرائيلية المزمع إجراؤها في تشرين الأول المقبل.


وأوضح عياش أن واشنطن، وبحسب الشواهد، لا تريد أن تبدو وكأنها "الآمر الناهي" بالنسبة إلى السلوك الإسرائيلي، باعتبار أن إسرائيل، في نهاية المطاف، حليف للولايات المتحدة، إلى جانب وجود أسباب أخرى مرتبطة بالأطراف المعنية، وفي مقدمها حزب الله.


وتابع أن حزب الله، ومن خلال الموقف الإيراني، يتخذ موقفًا متصلبًا إلى أبعد الحدود في ما يتعلق بمسار الأحداث في الجنوب، ويرفض المفاوضات ويهاجم السلطة اللبنانية، فيما يعلن استعداده لخوض مواجهات مع إسرائيل، خصوصًا في ما يتعلق بموقع تلة علي الطاهر، معتبرًا أن هذا المشهد يضع الولايات المتحدة أمام مرحلة من الحسابات المعقدة التي لم تتضح نتائجها بعد.


وشدد عياش، في المقابل، على أن الأهم في هذه الحسابات هو أن واشنطن تقول، ولا تزال تقول، إنها لن تترك لبنان، بمعنى أنها لن تترك الشرعية اللبنانية، وأنها تريد من الدولة اللبنانية أن تكون هي صاحبة القرار، رغم التعقيدات الكثيرة التي تحول دون تحقيق ذلك بسهولة، لافتًا إلى أن وقوف الولايات المتحدة إلى جانب السلطة الشرعية في لبنان يحمل، في حد ذاته، "نبأً سارًا" للبنانيين.


أما في ما يتعلق بتأثير الانتخابات الإسرائيلية على المفاوضات، فاعتبر أن زمن الانتخابات، وفق ما تشير إليه المعطيات، سيضع جدول أعمال الأحداث في المنطقة، في ظل اشتداد السباق بين الأطراف المتنافسة في إسرائيل، وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وفريقه الحاكم من جهة، والمعارضة من جهة أخرى.


وأشار إلى أن كل ما يمكن أن يُصنف على أنه تنازلات في أي ساحة من الساحات، ولا سيما في لبنان، يجب أن يؤخذ في الاعتبار ضمن الميزان الانتخابي، موضحًا أن المفاوضات تقوم بطبيعتها على تبادل الأفكار والمشاريع والذهاب نحو تسويات، وهذه التسويات تنطوي، في نهاية المطاف، على تنازلات، لكن إمكانية تقديم الجانب الإسرائيلي تنازلات في مرحلة الانتخابات تبدو غير مرجحة.


ورأى عياش أن الانتخابات الإسرائيلية ستؤثر في المفاوضات وستفرض إيقاعها عليها، مشيرًا إلى أن هذا الاستحقاق قد يكون أحد العوامل التي تفسر عدم تحديد موعد الجولة المقبلة.


ورجح عياش أن السيناريو الأقرب حاليًا ليس الدخول في مرحلة طويلة من الجمود، بل الذهاب نحو المواجهات والعودة إلى الحرب، مؤكدًا أن هذا الاحتمال يجب ألا يُسقط من الحسابات، خصوصًا أن كلفة الحرب ستكون مرتفعة جدًا في كل مكان، ولا سيما في لبنان.


في المحصلة، وفي ظل الواقع الميداني القائم في الجنوب واستمرار نقاط الخلاف بين الجانبين، يبقى مسار المفاوضات معرقلًا، في وقت لم تُستكمل فيه خطوات الاتفاق التي تم التوصل إليها في الجولات السابقة، ما يجعل أي جولة جديدة أمام تحديات كبيرة في تحقيق تقدم فعلي.