August 18, 2026   Beirut  °C
سياسة

حسن جوني: سقوط علي الطاهر يقوّي إسرائيل في الجنوب.. والبعد الإيراني حاضر في المعركة

لا تزال تلة علي الطاهر تشكّل نقطة محورية في المواجهة جنوبا، في ظل إصرار إسرائيل على تدميرها وتمسّك حزب الله بها ورفض تسليمها للجيش اللبناني. فموقعها الجغرافي المشرف، إلى جانب ما يُقال عن وجود منشأة أو بنية عسكرية فيها، يجعل منها نقطة تتجاوز أهميتها كونها مجرد مرتفع.

ومع تحولها إلى ساحة مواجهة مباشرة، تتجه الأنظار إلى أهمية هذه التلة في الحسابات العسكرية والاستراتيجية للطرفين، وإلى أسباب تمسك حزب الله بها وإصرار إسرائيل على الوصول إليها وتدمير المنشأة الموجودة فيها. فهل تكمن أهمية علي الطاهر في موقعها الجغرافي فقط، أم أنها تؤدي دورا عسكريا متقدما يجعل السيطرة عليها نقطة مفصلية في الميدان؟

في هذا السياق، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي والأستاذ الجامعي في العلوم السياسية العميد الركن المتقاعد الدكتور حسن جوني أن الأهمية العسكرية والاستراتيجية لمرتفع علي الطاهر ترتكز على جزأين أساسيين. الجزء الأول يتعلق بأهميته كمرتفع جغرافي مشرف على محاور ومسالك وممرات ومجموعة من القرى، وأهمها إشرافه على مدينة النبطية. أما الجزء الثاني، وهو الأهمية العسكرية الأساسية، فيرتبط بوجود منشأة أو بنية تحتية عسكرية داخله، معتبرا أن هذا الأمر هو، برأيه، الهدف الأساسي من تركيز جيش الاحتلال الإسرائيلي على تدمير علي الطاهر.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أهمية المرتفع تنطلق بالتالي من بُعدين: الأول كموقع جغرافي مشرف، والثاني كمنشأة وبنية تحتية عسكرية داخل علي الطاهر، لافتا إلى أن أهمية هذه البنية التحتية تختلف عن أي بنية تحتية عادية، نظرا إلى موقعها القريب من الحدود، وفي الوقت نفسه إشرافها على الحدود، ما يجعلها قابلة لأن تكون قاعدة قتال متقدمة، محصنة داخل الجبال أو داخل الأرض وتحت الأرض.


واعتبر جوني أن علي الطاهر، بالمعنى الاستراتيجي العسكري، يشكل قاعدة متقدمة، ولكنها ليست على الحدود تماما، بل تقع في موقع متقدم ولديها عمق خلفها يصل إلى امتدادات إقليم التفاح، مشيرا إلى أن هذا الموقع يمنحها، جغرافيا واستراتيجيا، أهمية كبيرة كقاعدة قتالية، ومن هنا يأتي تركيز جيش الاحتلال الإسرائيلي على تدمير البنية التحتية الموجودة فيها.


وفي ما يتعلق بتمسّك حزب الله بالمرتفع، رأى أن السبب الأول هو أهمية هذه القاعدة القتالية بالنسبة إلى الحزب، باعتبارها مقدمة لتمركزه في إقليم التفاح. وقال إن هناك، بحسب المعطيات المتداولة، مقاتلين داخل هذه المنشأة يبدو أنهم محاصرون فيها، وبالتالي بدأ حزب الله يتمسّك بالتلة ويدافع عنها حرصا على سلامة عناصره، مع وجود حديث أيضا عن وجود إيرانيين داخل التلة، مؤكدا أن كل هذه العوامل تؤدي إلى تمسّك حزب الله بها، إلا أن السبب الأساسي، برأيه، هو الأهمية الجغرافية لهذه التلة، التي تجعل سقوطها، على مستوى الجغرافيا العسكرية، يمنح ميزة تكتيكية لمن يسيطر عليها بشكل كامل.


وقال جوني إن معركة علي الطاهر هي نقطة اختبار حقيقي بالنسبة إلى قدرة حزب الله المتبقية، ووجوده في الميدان، معتبرا أنها مقياس لمدى قدرته على الوجود والبقاء في الميدان. ومن هنا، برأيه، تأتي أهمية مرتفع علي الطاهر.


وفي ما يتعلق برفض حزب الله تسليم التلة للجيش اللبناني، أوضح أن الحزب يعتبر مرتفع علي الطاهر والمنشأة الموجودة فيه قاعدة عسكرية له شمال الليطاني. وبالتالي، فإن تسليمها للجيش يدخل، بحسب قراءته، ضمن إطار حل يؤدي إلى تسليم السلاح للجيش اللبناني شمال الليطاني، لافتا إلى أن حزب الله لطالما قال إن شمال الليطاني يختلف عن جنوب الليطاني ويفصل بينهما، وبالتالي يعتبر أن الوقت لم يحن بعد لتسليم السلاح شمال الليطاني إلى الجيش اللبناني، بانتظار الاستراتيجية الدفاعية، وفقا لموقفه. ولذلك، قال إن الحزب لا يسلمها للجيش في هذا الظرف من حيث المبدأ.


أما بالنسبة إلى إمكان تدمير علي الطاهر، فميّز جوني بين تدمير المنشأة واحتلال التلة. وقال إن الحديث هو عن تدمير المنشأة من الداخل، وإن التدمير بحد ذاته ليس صعبا تقنيا، إذ يمكن، بحسب طبيعة المنشأة، استخدام كمية معينة من المتفجرات وتوزيعها بطريقة محددة لتدميرها في لحظة وبسهولة، مشددا على أن المسألة الأساسية تتعلق باحتلال التل وقتل من فيها، لكي يتمكن الجيش الإسرائيلي من الدخول وتفجير المنشأة.


وأكد أن الصعوبة تكمن في احتلال التلة، معتبرا أن هناك بالفعل صعوبة في احتلالها. وأوضح أن الجيش الإسرائيلي يسعى حاليا إلى القيام بعملية غير تقليدية وغير واضحة المعالم، تقوم على أسلوب مجزأ وبطيء ومنهجي، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ألمح إلى أنهم يقومون بأعمال لا يمكن الإفصاح عنها. ورجح أن يكون الجيش الإسرائيلي يبحث عن أماكن تهوية أو مداخل، ويحاول الدخول من خلالها، بهدف تجنب الاقتحام القتالي بالمعنى الكلاسيكي، بعدما جرب الأمر أكثر من مرة وتكبد خسائر.


واعتبر جوني أنه في حال سقوط التلة وتفجيرها، ستكون النتائج والتداعيات سلبية جدا على قوة حزب الله، سواء على مستوى قوته العسكرية أو المعنوية. وقال إن ذلك سيعطي الجانب الإسرائيلي ميزة تكتيكية، ويقوّي وضعه في الجنوب وموازين القوى، كما سيقوّي وضعه في المفاوضات، معتبرا أن التداعيات ستكون سلبية جدا على قوة حزب الله.


وفي المقابل، تحدث عن وجود بُعد آخر لا بد من أخذه في الاعتبار، وهو البعد الإقليمي المرتبط بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، مرجحا أن مسألة احتلال التلة من قبل إسرائيل، أي العمل القتالي الإسرائيلي، أُوقف بالنسبة إلى علي الطاهر بموجب الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن العودة إلى العمل القتالي المباشر لاحتلال علي الطاهر قد تُعتبر خرقا للاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.


ورأى جوني أن البعد الإيراني قد يكون له تأثير في هذا الموضوع، محذرا من أن ذلك ربما يؤدي إلى تفجير الصراع كله.


في الخلاصة، ومع استمرار الضغط الإسرائيلي على علي الطاهر، وتمسّك حزب الله بها، تبدو المعركة حول التلة أبعد من هدف ميداني محدود. فالإصرار على السيطرة عليها من جهة، والدفاع عنها من جهة أخرى، يعكسان قيمة الموقع في الحسابات العسكرية للطرفين، ويجعلان ما ستؤول إليه المعركة مؤشرا مهما إلى طبيعة المرحلة المقبلة في الجنوب.