تحولت الجلسة النيابية الماضية إلى اختبار سياسي ودستوري لصلاحيات الحكومة، بعدما تمسك رئيسها نواف سلام بحقه في التعبير عن موقف السلطة التنفيذية، رافضًا أن تتحول الحكومة إلى منابر متعددة، ومؤكدًا أن الدستور أناط برئيسها تمثيلها والتحدث باسمها.
تحولت الجلسة النيابية الماضية إلى اختبار سياسي ودستوري لصلاحيات الحكومة، بعدما تمسك رئيسها نواف سلام بحقه في التعبير عن موقف السلطة التنفيذية، رافضًا أن تتحول الحكومة إلى منابر متعددة، ومؤكدًا أن الدستور أناط برئيسها تمثيلها والتحدث باسمها.
موقف يُحسب لسلام في لحظة دقيقة، خصوصًا في مواجهة محاولة تحويل الخلاف إلى مسألة سياسية تتصل بالمؤسسة العسكرية.
وفي المقابل، بدا موقف نواب "التيار الوطني الحر" أقرب إلى استثمار السجال للتصويب على رئيس الحكومة، وصولًا إلى الانسحاب من الجلسة، فيما أكّد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن لسلام حق التحدّث باسم الحكومة، وإن حاول في الوقت نفسه معالجة تداعيات غياب وزير الدفاع ميشال منسى.
فإلى أي مدى يتجاوز موقف سلام حدود السجال العابر، وما أبعاده السياسية والقانونية؟
من الناحية السياسية، اعتبر رئيس تحرير صحيفة "المدن"، الصحافي منير الربيع، أن إقرار قانون العفو العام في مجلس النواب لا يمكن قراءته كاستحقاق تشريعي منفصل عن التحولات السياسية التي يشهدها لبنان والمنطقة، معتبرًا أن الطريقة التي أدار بها رئيس الحكومة نواف سلام هذا الملف شكلت مؤشّرًا واضحًا إلى طبيعة المرحلة السياسية الجديدة التي يحاول تثبيتها.
واعتبر، عبر منصة "بالعربي"، أن الرئيس نواف سلام نجح في التعامل مع ملف بالغ الحساسية، في لحظة تختلط فيها التحولات اللبنانية بالتغييرات الإقليمية والدولية، ليظهر بوضوح أن رئيس الحكومة لا يتعامل مع السلطة بمنطق التسويات التقليدية التي طبعت الحياة السياسية اللبنانية طوال عقود.
وأشار الربيع إلى أن موقف سلام خلال جلسات إقرار العفو العام كان لافتًا، خصوصًا في رفضه السماح لوزير الدفاع ميشال منسى بإلقاء كلمة قد تؤدي إلى تعطيل إقرار القانون. وفي مقابل الضغوط السياسية التي مورست عليه لتغيير موقفه، تمسك رئيس الحكومة بقراره، انطلاقًا من مبدأ التضامن الوزاري، مؤكدًا أن الحكومة مؤلفة من 24 وزيرًا يعملون كفريق واحد، وليست مجموعة حكومات منفصلة.
واعتبر أن هذا الموقف يعكس جانبًا أساسيًا من شخصية سلام السياسية، فهو لا يبدو مستعدًا للرضوخ للضغوط عندما يعتبر أن التراجع عن موقفه يمسّ بصلاحيات الحكومة أو يعطل قرارًا اتخذته السلطة التنفيذية. ومن هنا يمكن فهم إصراره المتكرّر على رفض تكريس معادلة "الترويكا"، وعلى التأكيد أن الجيش مؤسسة تخضع للقرار السياسي للدولة وتنفّذ توجّهاتها، لا سلطة مستقلة عنها.
وبحسب الربيع، فإن سلام، منذ توليه رئاسة الحكومة، يحاول إعادة رسم العلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية، وخصوصًا في الملف المتصل بالجيش وحصر السلاح. وقد ظهرت هذه المقاربة في أكثر من محطة، وصولًا إلى المواقف التي اتخذتها الحكومة بعد قرار 2 آذار، وما رافقه من مطالبة الجيش بالتعامل مع حزب الله وفق القرار الحكومي.
وشدد على أن قراءة مواقف الرئيس سلام يجب ألا تختصر باتهامه بالسعي إلى دفع الجيش نحو مواجهة مع حزب الله، لأن ما يقوله رئيس الحكومة، بحسب مواقفه المعلنة، مختلف عن ذلك. فهو يريد للجيش أن يمارس دوره وهيبته، وأن تكون للدولة سلطة فعلية على كامل الأراضي اللبنانية، من دون الانجرار إلى صدام عسكري لا تريده الحكومة.
واعتبر أن الأهم في تجربة سلام هو أنه يحاول نقل الحياة السياسية اللبنانية من منطق إدارة التوازنات بين القوى إلى منطق الدولة والمؤسسات. وهذا ما يجعل مواقفه عرضةً للكثير من التأويلات والاعتراضات، لكنه في الوقت نفسه يمنحه صورةً سياسية مختلفة عن النمط الذي اعتاده اللبنانيون في إدارة الخلافات.
وفي قراءة قانون العفو العام، ربط الربيع بين إقراره والتحولات الكبرى التي طرأت على موازين القوى في لبنان والمنطقة. فالعفو، في رأيه، لا يقتصر على معالجة ملفات قضائية أو اجتماعية، بل يعكس انتقال لبنان من مرحلة سياسية إلى أخرى، خصوصًا أن المستفيدين منه ينتمون إلى فئات كانت، في مراحل سابقة، في موقع الخصومة مع القوى التي امتلكت نفوذًا واسعًا في الدولة.
ولفت إلى أن قوانين العفو في لبنان ارتبطت تاريخيًا بتحوّلات سياسية كبرى، من العفو العام عام 1991 الذي جاء بعد الحرب الأهلية، إلى قانون عام 2005 الذي تزامن مع مرحلة سياسية جديدة أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أما العفو الحالي، فيمكن وضعه في سياق التحولات الإقليمية والدولية التي بدأت تترك أثرًا مباشرًا على تركيبة المشهد اللبناني.
ومن هذه الزاوية، اعتبر الربيع أن الرئيس نواف سلام يبدو من أكثر الشخصيات السياسية القادرة على التقاط طبيعة التحوّلات الجارية. فهو، بحسب تعبيره، يأتي إلى السياسة اللبنانية من خارج قواعدها التقليدية، ويحاول الاستفادة من المساحات الجديدة التي فتحتها التطورات بين الشرق والغرب، وبين المشرق والخليج، بما يسمح للبنان باستعادة موقعه ضمن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية الجديدة.
وخلص إلى أن أهمية ما قام به الرئيس نواف سلام لا تكمن فقط في النجاح في تمرير قانون العفو العام، بل في الطريقة التي أدار بها المعركة السياسية المحيطة به. فالرجل، وفق قراءته، أثبت أنه قادر على التمسّك بموقفه تحت الضغط، وعلى خوض الملفات الحساسة من موقع رئيس حكومة يريد تثبيت صلاحيات الدولة، لا من موقع طرف يبحث عن تسوية بأي ثمن.
وبالانتقال إلى البعد القانوني لموقف رئيس الحكومة نواف سلام، اعتبر الصحافي القضائي يوسف دياب أن ما قام به الرئيس سلام خلال الجلسة النيابية يشكل، منذ عام 2005 وربما قبل ذلك، واحدًا من أبرز المواقف التي تعكس ممارسة رئيس الحكومة لصلاحياته كاملةً وفقًا للدستور والقانون، مستندًا إلى المادة 64 من الدستور، التي تجعل رئيس الحكومة مسؤولًا عن أعمال الوزراء، وتمنحه حق التحدث باسم الحكومة. وبالتالي، لا يحق لأي وزير أن يتولى إبداء موقف باسم الحكومة في موضوع مطروح أمام مجلس النواب، ما دام رئيس الحكومة موجودًا ومكلفًا التعبير عن موقف السلطة التنفيذية.
واعتبر، عبر منصة "بالعربي"، أن سلام أظهر صلابةً واضحة في الدفاع عن صلاحياته، مؤكّدًا أن المسائل الدستورية والقانونية لا تحتمل تدوير الزوايا أو المسايرة السياسية. وفي المقابل، أشار إلى أن وزير الدفاع ميشال منسى كان قد طرح موقفه وتحفّظاته بشأن قانون العفو العام أمام اللجان النيابية، بما فيها لجنة الإدارة والعدل واللجان المشتركة، ونقل موقف المؤسسة العسكرية، وبالتالي انتقل الملف بعد ذلك إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، حيث بات القرار للنواب.
وأشار دياب إلى أن المؤسسة العسكرية ليست كتلةً نيابية حتى تقدّم موقفًا داخل المجلس، معتبرًا أن محاولة وزير الدفاع إعادة طرح موقفها خلال الجلسة كانت تهدف، في رأيه، إلى إحداث إشكال قد يؤدي إلى تعطيل قانون العفو العام. ورفض، في هذا السياق، المزايدة في ملف شهداء الجيش، مشدّدًا على أن رئيس الحكومة والنواب السنّة ليسوا أقل حرصًا على المؤسسة العسكرية، ولا سيما أن نسبةً كبيرة من ضباط الجيش وعناصره تنتمي إلى الطائفة السنية.
أما في ما يتعلق بالتيار الوطني الحر، فوصفه بـ"بائع المواقف"، معتبرًا أن اعتراضه يعكس محاولةً للعودة إلى الواجهة السياسية، بعدما أصبح خارج السلطة والوزارة وفي موقع نيابي محدود، مستفيدًا من تقاطع موقفه مع موقف حزب الله الرافض لقانون العفو. واعتبر أن التيار لا يستطيع تقديم نفسه مدافعًا عن الجيش، مستندًا إلى مواقف تاريخية اتهمه فيها بالإضرار بهيبة المؤسسة العسكرية، بدءًا من حربي التحرير والإلغاء، وصولًا إلى مواقفه من قيادة الجيش في مراحل لاحقة.
وذكر دياب بمواقف الرئيس السابق ميشال عون من المؤسسة العسكرية، وبالهجوم على قيادة الجيش في قضية الضابط الشهيد سامر حنا، كما انتقد ما اعتبره عرقلةً لعمل الجيش خلال فترة تولّي الرئيس جوزاف عون القيادة، عندما رفض قمع المتظاهرين خلال ثورة 17 تشرين. واعتبر أن من يزايد اليوم في الدفاع عن الجيش لا يستطيع تجاهل تاريخه السياسي تجاه المؤسسة، ولا سيما أن مواقف التيار، بحسب قراءته، أضعفت دور الجيش في أكثر من محطة، مذكرا بما اعتبره توريط العميد شامل روكز الجيش في أحداث عبرا.
ووضع دياب حزب الله أيضًا في دائرة الانتقاد، معتبرًا أنه ليس في موقع يسمح له بالمزايدة في الدفاع عن الجيش، ومذكرًا بمواقف سابقة حالت، بحسب رأيه، دون ممارسة الجيش سلطته الكاملة في مناطق مختلفة، إضافةً إلى أحداث واعتداءات سقط فيها عسكريون، ومنها موقفه من مخيم نهر البارد باعتباره "خطًا أحمر". وأضاف أن الحزب اليوم يضع العراقيل أمام الجيش، بما يحول دون بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
وخلص إلى أن حجج المعترضين على موقف الرئيس نواف سلام في ملف الجيش والعفو العام لا تصمد أمام الوقائع السياسية والقانونية، وأن ما قام به رئيس الحكومة يؤكّد أن ممارسة الصلاحيات الدستورية لا يمكن أن تخضع للمساومات أو الاعتبارات السياسية العابرة.
وهكذا، فإن موقف الرئيس نواف سلام يكرّس صورة رئيس حكومة متمسّك بصلاحياته الدستورية، وحريص على وحدة القرار التنفيذي وعلى تثبيت مرجعية الدولة والمؤسسات، بما يعكس نهجًا سياسيًا مختلفًا في إدارة الملفات الحساسة والضغوط المرتبطة بها.