August 10, 2026   Beirut  °C
سياسة

زكريا الغول: لبنان أمام ما يشبه الفصل السابع

جولة ثامنة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تستعد روما لاستضافتها مطلع أيلول المقبل، وسط نتائج متباينة للجولة السابعة، التي لم ترقَ، وفق تقديرات مراقبين، إلى مستوى الآمال المعقودة على تحقيق خرق يسرّع تنفيذ مندرجات اتفاق الإطار بين الجانبين.

ومع ذلك، حملت الجولة الأخيرة مؤشرات إيجابية، أبرزها التقدم في بحث آليات التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية، ولا سيما ما يتصل بالمناطق التجريبية، فيما لا تزال هوية الجهات التي ستتولى مهمة المراقبة موضع نقاش.


وفي تطور لافت، كشفت "رويترز" عن اتفاق لبناني ـ إسرائيلي، بوساطة أميركية، على إعداد قائمة مختصرة بدول يمكن أن ترسل قوات إلى جنوب لبنان للتحقق من نزع سلاح حزب الله، على أن تختار واشنطن الدول المشاركة، في خطوة قد تشكل خرقًا أوليًا يمهّد لبحث ملفات أكثر تعقيدًا.


وفي معرض تعليقه على نتائج الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما، واستشرافه لما يمكن أن تحمله الجولة المقبلة المقرر عقدها مطلع أيلول، اعتبر المحلل الاستراتيجي المحامي الدكتور زكريا الغول أن المسار التفاوضي لا يزال محفوفًا بالصعوبات، في ظل تباعد كبير بين مطالب الجانبين، متهمًا إسرائيل باستثمار الوقت والتفاوض تحت الضغط العسكري، سعيًا إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن إمكانية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي صعبة جدًا، لأن الإسرائيلي يجيد فن التفاوض واللعب على الوقت، مشيرًا إلى أن إسرائيل تواجه أيضًا استحقاقًا داخليًا يتمثل في الانتخابات التشريعية، فضلًا عن الصراع السياسي الدائر حول مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وإمكانية إزاحته.


وقال الغول إن هذه المعطيات تدفع الجانب الإسرائيلي إلى مزيد من التشدد في المفاوضات، وإلى محاولة إطالة أمدها للوصول إلى أكبر قدر من المكاسب، لافتًا، في المقابل، إلى أن الجانب اللبناني معني أيضًا بالتفاوض بهدف إبعاد شبح الحرب ومنع امتدادها إلى لبنان، في ضوء التطورات المتسارعة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.


وأشار إلى أن الجانب الأميركي يسعى، بدوره، إلى تبريد الأجواء من خلال الدفع باتجاه استمرار المفاوضات، خصوصًا أن الإدارة الأميركية تولي الملف اللبناني اهتمامًا، وفي مقدم المعنيين به وزير الخارجية ماركو روبيو، معتبرًا أن المفاوضات بطبيعتها تشهد "طلعات ونزلات"، ولا تسير دائمًا في مسار تصاعدي ثابت.


ولفت إلى أن التباعد كبير بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، موضحًا أن المطالب اللبنانية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وغيرها لا تزال واسعة، في مقابل مطالب إسرائيلية كبيرة، وفي مقدمها نزع سلاح حزب الله، ما يجعل المفاوضات المقبلة محكومة بالصعوبة، ومتوقعًا أن تشهد الجولة المقبلة والجولات التي ستليها مزيدًا من العقبات والتعقيدات.


وفي ما يتعلق بطبيعة القوة التي يمكن أن تتولى مهمة المراقبة والتحقق، أشار الغول إلى أن المهام المنوطة بها قد تختلف بصورة جوهرية عن المهام التقليدية لليونيفيل، معتبرًا أن طبيعة الصلاحيات المطلوبة منها قد تجعلها أقرب، من حيث الدور وآليات العمل، إلى ما يشبه الفصل السابع، وإن لم يكن ذلك معلنًا بصورة صريحة.


ولفت إلى أن مشاركة فرنسا قد تصطدم برفض إسرائيلي، مرجحًا، في الوقت نفسه، ألا يكون الموقف الأميركي بعيدًا عن هذا الرفض، ولا سيما أن فرنسا موجودة أصلًا ضمن قوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان. وأوضح أن اختيار الدول التي ستشارك في القوة سيكون، بصورة أساسية، على عاتق الولايات المتحدة، مع ضرورة حصولها على موافقة الطرفين، مشيرًا إلى أن هذه القوة ستحتاج إلى آليات واضحة للتنسيق مع الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي والجانب الأميركي وآلية المراقبة، ما يجعل تحديد صلاحياتها وطبيعة مهمتها وتركيبتها ملفًّا يحتاج إلى مفاوضات شاقة ووقت طويل.


وأضاف أن اختيار الدول التي يمكن أن تشارك في القوة الجديدة سيكون على عاتق الأميركيين وبموافقة الطرفين، موضحًا أن طبيعة المهام المطلوبة من هذه القوات تختلف عن مهام اليونيفيل الحالية، وقد تتطلب صلاحيات وآليات عمل أكثر تعقيدًا. وأشار إلى أن القوة المرتقبة ستحتاج إلى التنسيق مع الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي والجانب الأميركي وآلية المراقبة والتحقق، معتبرًا أن تحديد طبيعة هذه المهام وصلاحياتها سيشكل، بحد ذاته، ملفًّا يحتاج إلى وقت ومفاوضات شاقة.


وفي ما يتعلق بما أثير عن بحث ملف الأنفاق خلال الجولة الأخيرة، قال الغول إن الحديث عن وجود أنفاق تمتد في مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية خطير جدًا، مشددًا على ضرورة التحقق بدقة من صحة هذه المعلومات، نظرًا إلى ما يمكن أن يترتب عليها في حال عودة الحرب إلى المستوى الذي كانت عليه سابقًا، ومعتبرًا أن ثبوت هذه المعطيات سيطرح معضلة كبيرة أمام الدولة اللبنانية، ولا سيما في حال اندلاع مواجهة جديدة.


وفي سياق متصل، أشار إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، من قصف وتفجير وتوغلات، معتبرًا أن إسرائيل دأبت على التفاوض مع لبنان تحت الضغط العسكري. وقال: "الإسرائيلي دائمًا يفاوضنا تحت النار"، لافتًا إلى أنه في كل مرة تُجرى فيها مشاورات أو مفاوضات، سواء في واشنطن أو روما، يبادر الجانب الإسرائيلي إلى خطوات عسكرية أو يوجه رسائل ميدانية متزامنة مع المسار التفاوضي.


واستشهد الغول بإنذار الجيش الإسرائيلي سكان بلدة المنصوري بالإخلاء، بالتزامن مع استمرار المفاوضات، معتبرًا أن ذلك يعكس استمرار سياسة الضغط العسكري بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.


واعتبر أن الضامن الوحيد الموجود حاليًا هو الجانب الأميركي، في ظل استمرار التوتر الميداني وتعقيدات المسار التفاوضي.


وعن احتمال عودة الحرب إلى لبنان، ربط الغول ذلك، إلى حد كبير، بما ستؤول إليه التطورات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، معتبرًا أن المنطقة تشهد تغيرات متسارعة، وأن مؤشرات المرحلة المقبلة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت حتى تتبلور بصورة أوضح.


وقال إن الشرق الأوسط يعيش في "رمال متحركة"، مشددًا على أن المعطيات تتغير يوميًّا، وأن كل تطور جديد يمكن أن ينعكس على المشهد الإقليمي ومسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية.


ويبقى المسار اللبناني ـ الإسرائيلي مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل مفاوضات شاقة وضغوط ميدانية متواصلة، فيما تبقى فرص تثبيت التهدئة وتجنب عودة الحرب رهنًا بالتطورات الإقليمية، ولا سيما مسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.