August 10, 2026   Beirut  °C
سياسة

مي شدياق: وضع اليد على لبنان يجري من فوق ومن تحت... ومسؤول كبير أبلغني: الدولة عاجزة عن التفتيش "دار دار زنقة زنقة"

في تطور أمني خطير يكشف حجم ما كان يجري تحت أقدام اللبنانيين بعيدًا عن أعين الدولة، كشفت معطيات منسوبة إلى مصادر أميركية مطلعة على الجولة السابعة من مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل عن خرائط توثق انتشار بنية عسكرية ضخمة لحزب الله تحت الأرض، تمتد من الجنوب والبقاع إلى جرود جبيل وكسروان والشوف، وصولًا إلى المختارة. 

أنفاق تسمح بدخول السيارات، وغرف قيادة ونوم، ومنشآت عسكرية متكاملة، بل ما وُصف بـ"بنتاغون مصغر" تحت علي الطاهر، فضلًا عن منشآت وأنفاق تحت قلعة الشقيف وبعلبك.


وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة تتجاوز شبكة أنفاق عسكرية لتطرح سؤالًا مدويًا: ماذا كان يُبنى تحت لبنان، ولأي مشروع، ولمصلحة من؟


وتعليقًا على هذه المعطيات الخطيرة، شنت الوزيرة السابقة الدكتورة مي شدياق هجومًا عنيفًا على حزب الله، معتبرةً أن ما تكشّف عن شبكة أنفاقه ومنشآته العسكرية تحت الأرض يثبت أن الحزب لم يكتفِ بوضع يده على أجزاء من لبنان فوق الأرض، بل عمل على مد نفوذه وبنيته العسكرية تحتها، في إطار مشروع استراتيجي مرتبط بإيران، محذرةً من أن اللبنانيين باتوا يعيشون فوق منظومة عسكرية ضخمة من دون أن يعرفوا ما تخفيه الأرض تحت أقدامهم.


وقالت عبر منصة "بالعربي" إن القوى السياسية السيادية التي كانت تطرح علامات استفهام في الحكومات السابقة حول إصرار حزب الله على أن تكون وزارة الأشغال في عهدة وزراء تابعين له أو مناصرين له أو حلفاء، لم تكن تفعل ذلك من منطلق شخصي، مشيرةً إلى أن بعض وزراء الأشغال السابقين طالتهم عقوبات أميركية، فيما كان بعضهم الآخر متورطًا في قضية انفجار مرفأ بيروت، معتبرةً أن علامات استفهام كثيرة كانت تُطرح حول هؤلاء الوزراء.


وأوضحت شدياق أن هذه التساؤلات لم تكن مرتبطة بالأشخاص، بل كانت هناك أهداف استراتيجية واضحة، مشيرةً إلى أن مخصصات الدولة كانت تذهب تحديدًا إلى شق الطرق وتأهيلها في المناطق الخاضعة لسيطرة الثنائي، وتحديدًا حزب الله. وأضافت أن القوى السياسية كانت تتساءل عن الإصرار على شق طرقات وربط مناطق بعضها ببعض، في وقت لم تكن بعض هذه الطرق ضرورية إلى هذا الحد، معتبرةً أن بعض مشاريع الدولة ربما استُغلّت لتنفيذ أعمال تحت الأرض ولغايات تخدم استراتيجية الحزب.


ولفتت شدياق إلى أن ملف شبكة الاتصالات شكل سابقًا أحد أبرز المؤشرات إلى كيفية استغلال البنى التحتية الرسمية لخدمة منظومة الحزب، مستذكرةً أحداث 7 أيار عام 2008، وما رافقها من إشكالات حول شبكة الاتصالات التابعة للحزب، وكذلك عمليات الحفر التي كانت تتم في مناطق مختلفة تحت ذرائع مرتبطة بشبكات الدولة، بينما كانت تُستخدم لإنشاء شبكات خاصة بالحزب.


وأضافت أن الأسئلة نفسها كانت تُطرح حول الأنفاق التي بدأت تظهر في مناطق متفرقة، وحول عمليات الاستملاك وشراء الأراضي ووضع اليد على مناطق معينة في جبيل وكسروان، فضلًا عن الإصرار على شق طرقات لم تكن تبدو، في بعض الحالات، ذات أولوية أو ضرورة إنمائية واضحة، متسائلةً عن هدف ربط البقاع ببلدة المختارة في الشوف.


واعتبرت أن ما انكشف اليوم يتجاوز بكثير الهواجس التي كانت مطروحة سابقًا، إذ تبيّن وجود مدن ثانية تحت المدن، ومنشآت عسكرية متكاملة تحت الأرض، بعضها يمتد تحت معالم أثرية وتاريخية. وانتقدت بشدة استغلال مواقع تراثية، مشيرةً إلى أن قلعة الشقيف وقلعة بعلبك، وغيرهما من المواقع التي تمثّل جزءًا من التراث اللبناني والعالمي، لا يجوز التعامل معها كغطاء لمنشآت عسكرية أو مستودعات أسلحة.


وقالت إن ما تعتبره قيمةً ثقافيةً وتراثيةً للبنان، يتعامل معه الحزب كغطاء يحول دون استهداف هذه المواقع باعتبارها معالم تاريخية، فيما يجري، في المقابل، إنشاء مستودعات أسلحة وأنفاق تحتها لأهداف لا علاقة لها بمصلحة لبنان، بل بالمشروع الاستراتيجي الإيراني في المنطقة.


واعتبرت شدياق أن وضع اليد على البلاد "يجري من فوق ومن تحتط، مشيرةً إلى أن الأموال التي أُنفقت على حفر الأنفاق كان يمكن استخدامها لبناء مترو أو ملاجئ للمدنيين وحماية السكان الذين تعرضوا للقصف، بدلًا من ترك الناس في مواجهة نتائج الحروب. وقالت إن الحزب يستعمل الناس وقودًا في حروبه، معتبرةً أن ما انكشف اليوم أسقط الكثير من الذرائع التي كانت تُستخدم ضد كل من يرفع صوته اعتراضًا على سياسات الحزب. وأضافت: "أنا أرفع الصوت انطلاقًا من أهداف وطنية وإنسانية. أين تأخذون البلد؟ وإلى أين كنتم تريدون أن تصلوا؟".


وتابعت متسائلةً عن جدوى الشعارات التي رُفعت باسم مواجهة إسرائيل والدفاع عن القضية الفلسطينية، قائلةً إن النتائج جاءت عكسية، وإنه "إذا كانت أهدافكم هي محاربة إسرائيل للدفاع عن القضية الفلسطينية، فليفسّر لي أحد أين أصبحت القضية الفلسطينية في قاموس إيران اليوم؟". واعتبرت أن إيران مستعدة للتضحية بالقضية الفلسطينية وبمصالح اللبنانيين والفلسطينيين من أجل مقارباتها واستراتيجياتها الخاصة التي لا علاقة لها بقضايا المنطقة وشعوبها.


كما حذرت من خطورة المنشآت التي كُشفت في مناطق مختلفة، مشيرةً إلى وجود أنفاق وممرات وغرف ومنشآت عسكرية متكاملة تحت الأرض، وبعضها يسمح بدخول السيارات، معتبرةً أن هذه المنشآت تعني أن لبنان كان يعيش فوق منظومة عسكرية كاملة من دون أن يعرف المواطنون ما يوجد تحتهم.


وشددت شدياق على أن مسؤولية الدولة اللبنانية باتت أكبر من أي وقت مضى، معتبرةً أن الصمت لم يعد مقبولًا، وأن الجيش اللبناني يجب أن يؤدي دوره في كشف هذه المنشآت وتطهير الأراضي اللبنانية من كل ما يمكن أن يعرّضها للخطر. وقالت إن احترام الأهالي لا يعني الامتناع عن التفتيش، لأن وجود منشآت تحت المنازل لا يعني بالضرورة أن أصحابها يعرفون ما يوجد تحتها، مشيرةً إلى أن بعض السكان قد يكونون غير مدركين لما يجري تحت بيوتهم، فيما استُغلّت منازل أو منشآت تجارية لإنشاء ممرات ومنشآت عسكرية تحت الأرض.


وفي هذا السياق، روت شدياق أن مسؤولًا سياسيًا كبيرًا في الدولة اللبنانية أبلغها، في وقت سابق، أن الدولة غير قادرة على القيام بعمليات تفتيش واسعة، مستعيدًا عبارةً شهيرةً للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، قائلًا: "دار دار، زنقة زنقة". وانتقدت عجز الدولة عن القيام بهذه المهمة، معتبرةً أن المواطن اللبناني ليس مسؤولًا عن تقصير الدولة، وأن من واجبها أن تقوم بدورها كاملًا في حماية الناس وكشف ما يهدد أمنهم.


وقالت شدياق: "أنا لا أريد غريبًا أن يأتي ليقوم بهذا الدور عني"، مشددةً على أن الجيش اللبناني يجب أن يكون الجهة التي تتولى مراقبة الأراضي اللبنانية وتطهيرها من كل ما يمكن أن يعرّضها للخطر. وأضافت أن الاستعانة بخبرات أو مساعدات بريطانية وإيطالية وعربية قد تكون مفيدة، لكن الدولة اللبنانية تبقى السند الأساسي للمواطن، وهي المسؤولة أولًا عن حماية أرضه.


وأشادت بوزير الأشغال الحالي فايز رسامني، داعيةً إلى التضامن بين الوزارات كافة للتحقق من طبيعة المشاريع التي نُفّذت خلال السنوات الماضية، ولا سيما الطرق والسدود والإنشاءات التي كان يمكن استغلالها لإنشاء منشآت تحت الأرض. وقالت إن بعض الطرق شُقّت، بحسب ما كانت تثيره الأسئلة سابقًا، ليس لحاجة إنمائية فعلية، بل لخدمة مشاريع محددة، فيما جرى استغلال بعض مشاريع الدولة أو المنشآت التي أنشأتها لتأمين أهداف عسكرية تحت الأرض. وأضافت أن ما كان يبدو من الخارج مشروعًا مدنيًا قد يخفي في الداخل شيئًا مختلفًا تمامًا.


وشددت شدياق على أن المطلوب اليوم هو التحقق بكل جدية من كل إنش وكل مليمتر من الأراضي اللبنانية، لمعرفة ما يوجد تحت الأرض وفوقها، محذرة من أن اللبنانيين قد يكونون يعيشون فوق منشآت لا يعرفون شيئًا عنها.


وربطت شدياق ذلك بتجربة مرفأ بيروت، قائلةً إن اللبنانيين سبق أن اكتشفوا أنهم يعيشون فوق مواد متفجرة من دون علمهم، معتبرةً أن وجود منشآت عسكرية تحت المناطق السكنية يطرح الخطر نفسه، لأن الناس لا يعرفون ما الذي ينتظرهم تحت منازلهم.


وشددت على أن هذا الملف يجب أن يتحول إلى حالة طوارئ وطنية، وأن الدولة مطالبة بالتحرك الجدي والشامل لكشف الأنفاق والمنشآت والمواقع العسكرية، مؤكدةً أن حماية لبنان لا تكون بالشعارات، بل بمعرفة ما يوجد على أرضه وتحتها، ووضع كامل الأراضي اللبنانية تحت سلطة الدولة والجيش اللبناني.


وبينما تتكشف تباعًا خريطة ما كان يُبنى تحت الأرض، لم يعد السؤال عن أنفاق حزب الله مجرد تفصيل أمني، بل بات سؤالًا عن لبنان الذي جرى تحويله إلى شبكة عسكرية ممتدة من الجنوب إلى البقاع والشوف وكسروان. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنها تضع الدولة أمام اختبار حاسم: إما أن تستعيد سيادتها على كل شبر من الأرض، وإما أن يبقى اللبنانيون يعيشون فوق مخازن السلاح والأنفاق والمفاجآت، من دون أن يعرفوا ماذا يخفي لهم باطن وطنهم.