اعتبر ناشر موقع "الحقيقة.نت" الدكتور هادي مراد أن سلاح حزب الله لم يعد يشكّل عنصر حماية للطائفة الشيعية أو للبنان، بل تحوّل، بحسب تعبيره، إلى أحد أبرز أسباب الأثمان التي دفعها الشيعة خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على خيار الدولة والسلام والانفتاح على المحيط العربي والمجتمع الدولي، بدلًا من الاستمرار في الرهان على السلاح.
وفي مقابلة ضمن برنامج "حوار الليلة" عبر منصة "بالعربي" مع الإعلامي ربيع ياسين، قال مراد إن التجربة أثبتت، من وجهة نظره، أن السلاح الذي خُزّن في مناطق وقرى وبيوت وأنفاق لم يتمكن من حماية البيئة التي احتضنته، ولا حتى القيادات التي حملته، معتبرًا أن الشيعة دفعوا أثمانًا كبيرة نتيجة هذا الخيار. وأضاف أن الحل للخروج من الواقع الحالي هو العودة إلى الدولة واعتماد السلام، قبل خسارة المزيد من الأرض والدم والإمكانات.
وتناول مراد خلفية نشوء السلاح خارج إطار الدولة، معتبرًا أن المقاومة ارتبطت تاريخيًا، إلى جانب وجود الاحتلال، بعلاقات إقليمية ومصالح سياسية وفّرت للأحزاب والتنظيمات مصادر قوة ونفوذ. وقال إن حزب الله استطاع، بفضل السلاح، المحافظة على نفوذ استثنائي لعقود، إلا أن التجربة، بحسب قوله، أثبتت أن أي سلاح خارج سلطة الدولة سيصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها تسليمه أو نزعه أمرًا مطروحًا.
وفي حديثه عن السيناريوهات المحتملة لمستقبل سلاح حزب الله، استبعد مراد قدرة الدولة اللبنانية وحدها، في المرحلة الراهنة، على نزع السلاح، عازيًا ذلك إلى ما وصفه بتغلغل الحزب داخل مؤسسات الدولة على مدى عقود، بما فيها مؤسسات أمنية وعسكرية وقضائية. وفي المقابل، أشاد بأداء رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، معتبرًا أنهما يعملان بطريقة جدية، لكنه شدد على أن معالجة نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة تحتاج إلى وقت طويل ولا يمكن إنجازها سريعًا.
وعن احتمال أن تلعب سوريا دورًا في ملف السلاح، قال مراد إن هذا السيناريو مطروح، لكنه لا يعتقد أن الإدارة السورية الجديدة ترغب من تلقاء نفسها في الدخول في مواجهة من هذا النوع داخل لبنان، خصوصًا أنها لا تزال أمام تحديات مرتبطة بتثبيت الاستقرار في الداخل السوري. كما حذّر من أن معالجة الأزمة اللبنانية من خلال إعادة نفوذ سوري إلى لبنان قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التبعية والوصاية، وهو خيار قال إنه لا يتمناه للبنان.
وكشف مراد، استنادًا إلى ما وصفها بأنها "معلومات"، عن وجود طرح يتم العمل عليه في إطار الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، يتضمن استعادة إيران سلاح حزب الله ضمن تفاهم أوسع بين طهران وواشنطن. وأوضح أن هذا السيناريو، برأيه، هو الأكثر منطقية بين الخيارات المطروحة لأنه قد يمنع الذهاب إلى خيارات دموية، مشيرًا إلى أن أي تفاهم محتمل قد يرتبط بملفات أخرى، بينها البرنامج الصاروخي الإيراني وترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز. وشدد في الوقت نفسه على أن هذه المعطيات تبقى في إطار المعلومات المتداولة ولا يمكن الجزم بأنها ستلقى قبول الطرفين.
وفي هذا السياق، اعتبر مراد أن إيران، إذا حصلت على مكاسب استراتيجية ومالية تهمها في أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، قد توافق على التخلي عن ورقة حزب الله وسلاحه، قائلًا إن طهران تتعامل مع أوراق نفوذها وفق مصالحها الاستراتيجية، وإن لبنان قد يكون جزءاً من تسوية إقليمية أوسع إذا توصل الطرفان الإيراني والأميركي إلى تفاهم.
وتوقف مراد عند الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تجاه الإدارة السورية الجديدة، ولا سيما الحديث عن إمكان الحوار معها، معتبرًا أن هناك تحولًا كبيرًا في خطاب الحزب مقارنة بالسنوات السابقة. وقال ساخرًا إنه "يخشى أن يصبح أحمد الشرع الولي الفقيه الذي يطلب منه حزب الله الرضا في المستقبل"، في إشارة إلى ما وصفه بمحاولات التقارب مع الرئيس السوري أحمد الشرع بعد سنوات من العداء والمواجهة.
واعتبر أن هذا التحول يضع بيئة حزب الله أمام تناقض صعب، خصوصًا أن عائلات شيعية دفعت أبناءها خلال الحرب السورية في مواجهة القوى التي وصلت لاحقًا إلى السلطة في دمشق. وسأل كيف يمكن لهذه العائلات أن تستوعب اليوم الانتقال من خطاب المواجهة إلى الدعوة للحوار، معتبرًا أن قيادة الحزب أصبحت تواجه صعوبة في إقناع بيئتها بخطابها وتفسير التحولات التي طرأت عليه.
وأكد مراد أن التغيير داخل البيئة الشيعية بدأ، وإن كان بطيئًا وصعبًا، مشيرًا إلى أن المؤشر الأهم بالنسبة إليه ليس خروج عشرات الآلاف إلى الشارع ضد حزب الله، بل بدء طرح الأسئلة داخل البيوت الشيعية حول خيارات الحزب وما إذا كانت السياسات التي اتبعها خلال السنوات الماضية صائبة. واعتبر أن مجرد انتقال البيئة من التسليم الكامل بخطاب القيادة إلى مرحلة السؤال والمراجعة يشكل تحولًا أساسيًا.
وأضاف أن عددًا من أبناء البيئة الشيعية يتواصلون مع شخصيات مستقلة ويعبّرون في مجالسهم الخاصة عن أفكار وانتقادات لا يستطيعون إعلانها في العلن، معتبرًا أن هذا التحول يحتاج إلى وقت كي يتحول إلى حركة سياسية واجتماعية أكثر وضوحاًً
وشبه مراد الواقع الشيعي الحالي بـ"تايتانيك شيعي يغرق"، معتبرًا أن المطلوب إيجاد "قوارب نجاة" تتمثل بمشروع سياسي بديل يعيد الشيعة إلى الدولة ويمنحهم خيارات خارج الثنائية التقليدية. وناشد المجتمع الدولي التفكير جديًا في دعم مشروع شيعي لبناني بديل، لكنه رفض في الوقت نفسه فكرة استبدال زعامة بزعامة أخرى أو إنتاج قائد شيعي أوحد.
كما رفض الدعوات إلى دمج جميع القوى والشخصيات الشيعية المعارضة لحزب الله ضمن إطار تنظيمي واحد، معتبرًا أن التعدد يشكل مصدر قوة وليس ضعفًا. وقال إن وجود مجموعات متعددة تعارض مشروع الحزب من زوايا سياسية وفكرية وقانونية واجتماعية مختلفة يجعل احتواءها أو استهدافها أكثر صعوبة.
ووجّه مراد دعوة إلى مختلف المجموعات والشخصيات الشيعية المستقلة، ومن بينها مجموعات علي مراد والسيد محمد حسن الأمين ولقمان سليم، إضافة إلى "نحو الإنقاذ" و"تحرر" و"جنوبيون مستقلون"، إلى وضع الخلافات جانبًا والعمل كل من موقعه تحت سقف هدف مشترك يقوم، بحسب تعبيره، على الإيمان بالدولة وإنهاء النفوذ الإيراني على القرار اللبناني. وأكد أن الاختلاف بين هذه المجموعات لا يلغي وجود مساحة مشتركة بينها، ولا يستوجب توحيدها في تنظيم سياسي واحد.
وعن مستقبل حزب الله السياسي في حال تسليم سلاحه، اعتبر مراد أن الحزب سيخسر جزءًا أساسيًا من عناصر قوته، لأن السلاح شكل، منذ تأسيسه، ركيزة أساسية في بنيته وعقيدته السياسية والتنظيمية. لكنه أشار إلى أن الحزب قد يستمر سياسيًا ويحافظ على تمثيل نيابي معين، وإن كان بنفوذ أقل بكثير من المرحلة السابقة.
وشدد على أن المال سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد حجم الحزب السياسي بعد السلاح، لافتًا إلى أنه إذا استمر تدفق الأموال الإيرانية من دون ضوابط، فقد يستطيع الحزب الحفاظ على قدرة سياسية وتنظيمية وتحريك جزء من الشارع، حتى بعد فقدان قوته العسكرية. لذلك اعتبر أن معالجة ملف السلاح وحده لا تكفي من دون ضبط مصادر التمويل وآليات وصول الأموال.
وفي ملف تهريب السلاح، ربط مراد استمرار المشكلة بعدم استقرار الإقليم بصورة كاملة، ولا سيما في سوريا والعراق، معتبرًا أن العراق يشكل حاليًا أحد أبرز مصادر "الأوكسجين" الذي يسمح باستمرار وصول الدعم المالي والعسكري إلى حزب الله. وقال إن أي تحول كبير في وضع الفصائل المسلحة داخل العراق سينعكس مباشرة على الحزب في لبنان، معتبرًا أن استقرار سوريا والعراق يشكل شرطًا أساسيًا لإنهاء ملف السلاح والتهريب بصورة نهائية.
وتطرق إلى واقع المعارضين الشيعة، مؤكدًا أن مرحلة التخويف التي كانت تمنع كثيرين من التعبير عن مواقفهم بدأت تتغير، مستشهدًا بما تعرض له الناشط حمد سرور، واعتبر أن الفارق اليوم هو أن الشخص الشيعي المستقل بات أكثر استعدادًا للدفاع عن حقه وعدم التراجع عن موقفه تحت الضغط.
وشدد مراد على أن حماية الشيعة المستقلين يجب أن تكون مسؤولية الدولة، لا أن تتحول هذه المجموعات إلى تشكيلات مسلحة مقابلة، قائلًا إن خطابهم يقوم أساسًا على الاحتكام إلى الدولة والقانون. وأضاف أن انتقال أي مواطن من بيئة الحزب إلى خيار الدولة يتطلب أن يشعر فعليًا بأن الدولة قادرة على حمايته وعلى تطبيق القانون بحق المعتدين عليه.
وأشاد مراد في المقابل بالحضور المتزايد للدولة ومؤسساتها في الجنوب، مشيرًا إلى زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى مناطق كان حضور الدولة فيها محدودًا في مراحل سابقة. واعتبر أن هذا المشهد يثبت أن تحرير الأرض أو استعادتها لا يتم حصرًا من خلال السلاح، بل يمكن للدولة أن تستخدم أدواتها الدبلوماسية وعلاقاتها الدولية لتحقيق أهدافها.
وفي معرض حديثه عن السلاح داخل بيروت، توقف مراد عند قضية رأس النبع وما كُشف عن وجود أسلحة وخرائط وأجهزة، واصفًا الأمر بـ"الكارثي". ودعا الأجهزة الأمنية إلى تشديد مراقبة شبكات السلاح والتهريب بدلًا من التركيز على مراقبة الناشطين والمعارضين الشيعة، مطالبًا بالذهاب جديًا نحو جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح.
واعتبر أن حادثة رأس النبع كان يجب أن تشكل مدخلًا سياسيًا وأمنيًا لتسريع هذا المسار، مشيرًا إلى الدعوات التي سبق أن أطلقها عدد من النواب لجعل العاصمة منزوعة السلاح، ومشددًا على أن فرض سلطة الدولة في بيروت يجب أن يكون أولوية.
وعلّق مراد على كلام الشيخ نعيم قاسم بشأن انتشار الجيش اللبناني في بعض مناطق الجنوب، معتبرًا أن المرحلة التي كان يستطيع فيها الحزب التصرف وكأنه الجهة التي تمنح الإذن لمؤسسات الدولة قد انتهت. ودعاه إلى الاعتراف بأن لبنان دخل مرحلة سياسية وأمنية مختلفة، وأن الحزب لم يعد قادرًا على التعامل مع الجيش والقضاء ومؤسسات الدولة وفق قواعد المرحلة السابقة.
ورأى أن الاعتراف بالتحولات الجديدة قد يساعد قيادة الحزب وبيئته على التعامل بصورة أكثر واقعية مع نتائج المرحلة الماضية، بدلاً من الاستمرار في خطاب لا ينسجم، بحسب قوله، مع موازين القوى الجديدة.
وفي ما يتعلق بالمناطق التجريبية في الجنوب، اعتبر مراد أن التجربة لا تزال في بدايتها ولا يمكن إصدار حكم نهائي على نجاحها أو فشلها، لكنه وصف ما حصل في زوطر بأنه مؤشر إيجابي. وأوضح أن إسرائيل لن تقدم، من وجهة نظره، تنازلات إضافية ما لم ترَ خطوات لبنانية واضحة تضمن أمن مستوطناتها الشمالية وتحد من قدرة حزب الله على العمل العسكري.
كما اعتبر أن الضغط الأميركي على إسرائيل موجود، لكنه لا يزال محدودًا، مرجحًا ألا تشهد المرحلة القريبة تحولات كبيرة وسريعة في ملف المناطق الجنوبية، وربط ذلك أيضًا بالحسابات السياسية والانتخابية الإسرائيلية.
وختم مراد بالتشديد على أن استمرار الوضع الحالي يدفع سكان الجنوب الثمن الأكبر، في ظل عدم قدرة كثيرين منهم على العودة إلى أراضيهم وقراهم، داعيًا حزب الله إلى إعطاء الأولوية لحماية الناس ومصالحهم ومستقبلهم بدلًا من إعادة إنتاج البنى التي سبق أن تعرضت للاستهداف، ومؤكدًا أن الخيار الذي يجب أن يتقدم في المرحلة المقبلة هو خيار الدولة والسلام وإعادة الشيعة إلى قلب المشروع اللبناني.