بعد طول غياب، عادت الإنذارات والتهديدات الإسرائيلية إلى الواجهة من بوابة بلدة المنصوري الجنوبية، بعدما وجه الجيش الإسرائيلي إنذارا إلى سكانها بضرورة الإخلاء تمهيدا لاستهدافها. ويطرح هذا الإنذار المستجد علامات استفهام كثيرة حول المرحلة المقبلة وما قد تحمله من تطورات عسكرية، لا سيما وأنه جاء متزامنا مع انعقاد الجولة الثانية من محادثات روما بين لبنان وإسرائيل، والتي تأثرت مجرياتها بهذا التطور الميداني.
وعلى الرغم من استئناف المحادثات وانعقاد الجولة الثالثة في روما أمس الخميس، فإن تعليق جلسة الأربعاء يطرح تساؤلات حول أسباب عدم ممارسة الولايات المتحدة، الراعية لهذه المفاوضات، ضغوطا على إسرائيل لسحب إنذارها والحؤول دون تعطيل مسار الحوار.
كما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مدى جدية الدعم الأميركي المعلن للدولة اللبنانية، لا سيما لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في ظل غياب ضغط أميركي ملموس على إسرائيل من شأنه تسهيل المفاوضات ودفع الطرفين نحو التوصل إلى قواسم مشتركة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي.
وفي معرض تعليقه على التطورات الأخيرة، رأى الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشماعي أن الأجندة الأميركية باتت واضحة، ولم تعد المسألة تقتصر فقط على نزع سلاح حزب الله في لبنان، بل أصبحت مرتبطة بإنهاء عمل الأذرع الإيرانية في المنطقة ككل، معتبرا أن حزب الله يتحرك انطلاقا من الأجندة الإيرانية، ومن هذا المنظار تحديدا يجب قراءة التطورات الحالية.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الهدف الأميركي اليوم هو إنهاء نفوذ هذه الأذرع، انطلاقا من بوابة روما 2، ابتدءا بحزب الله، لافتا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تقبلا باستمرار الوضع القائم. وقال إنه إذا استمر حزب الله بما يقوم به، فلن نشهد انسحابا إسرائيليا من خلف الخط الأصفر قبل الانتهاء نهائيا من هذا الملف.
وفي ما يتعلق بعدم ممارسة الولايات المتحدة ضغوطا على إسرائيل، على الرغم من الدعم الأميركي للدولة اللبنانية ولرئيس الجمهورية جوزاف عون، لسحب إنذارها لبلدة المنصوري، اعتبر الشماعي أن الإجابة بكل بساطة تكمن في أن إسرائيل تملك غطاء أميركيا للمضي في هذه المرحلة حتى انتهاء الملف، موضحا أن الولايات المتحدة لن تتدخل ميدانيا على الأرض، وفق ما يعرف بمصطلح Boots On the Ground، بل إن إسرائيل هي التي تنفذ هذه المهام. وقال إنه كلما تأخرت الدولة اللبنانية في تنفيذ قرارات الحكومة واتفاق الإطار ومخرجات روما 1 وروما 2، ازدادت ذرائع إسرائيل، وتعززت أوراقها، وارتفع مستوى الدعم الأميركي لها.
واعتبر أن المشهد الحالي ينذر بمرحلة حسم، لافتا إلى أنه إذا لم تنفذ الحكومة اللبنانية ما هو مطلوب منها، فسنكون، للأسف، أمام ضربات إسرائيلية أكثر تدميرا من السابق. وقال إن المرحلة لم تعد مرحلة تقليم أظافر حزب الله أو منح المزيد من الفرص، بل أصبح الحسم مطلوبا، ليس في لبنان فقط، بل على مستوى المنطقة ككل، ضاربا مثالا على ذلك بالقول: منذ متى رأينا السعودية تضرب الفصائل الإيرانية في العراق خلال السنوات الثلاث الماضية؟ هذا مؤشر كبير بحد ذاته، ويعكس طبيعة المرحلة الجديدة.
وعن مستقبل المفاوضات والمناطق التجريبية، جزم الشماعي أننا لن نشهد مناطق تجريبية جديدة، موضحا أن إسرائيل تعتبر أن المناطق التجريبية التي بدأ العمل عليها لم تشهد التزاما كاملا بالشكل الذي تريده هي والولايات المتحدة، وبالشكل الذي تعهدت به الحكومة اللبنانية. وقال إن مطالبة الدولة اللبنانية بالخيام وبنت جبيل تحمل رمزية كبيرة، مستبعدا أن تقبل إسرائيل بهذه المطالب، كما أن الولايات المتحدة لن تمارس ضغطا على إسرائيل في هذا السياق، بل ستضغط على الجانب اللبناني لتنفيذ المطلوب منه. وأكد أن عدم تنفيذ لبنان لما هو مطلوب منه قد يقود إلى مرحلة خطرة جديدة، من خلال زيادة الضوء الأخضر الأميركي لإسرائيل.
وفي ما يتعلق باحتمال تنفيذ عملية عسكرية في منطقة علي الطاهر، قال: أعتقد أن ذلك بات قريبا، موضحا أن قراءة هذا التطور لا يجب أن تكون من زاوية محلية فقط، بل من خلال المقاربة الإيرانية - الأميركية.
وتطرق الشماعي إلى سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، معتبرا أن ما وصفه بـ "التخبط الاستراتيجي" الذي يظهر في مواقف ترامب هو تخبط مقصود. وقال إن الرئيس الأميركي يعلن أحيانا التوصل إلى اتفاقات مع إيران، كما حصل بشأن مضيق هرمز، ثم تظهر مواقف إيرانية تنفي وجود أي اتفاق، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر، مضيفا إن هذا الأسلوب يخدم ترامب اقتصاديا بشكل كبير، إذ إن التصريحات والتطورات السياسية تنعكس على الأسواق، سواء لناحية ارتفاع أسعار الذهب أو تحركات الأسهم والعملات.
وأوضح أن إعلان ترامب عن التوصل إلى اتفاق حول مضيق هرمز أدى مباشرة إلى ارتفاع سعر الذهب، وهذا يعني تحقيق مكاسب اقتصادية، معتبرا أن ترامب ليس مستعجلا، ولديه مهلة حتى الانتخابات النصفية. ورجح أنه قبل موعد الانتخابات بفترة وجيزة، قد يقوم بخطوة كبيرة أو اختراق مهم، ليستخدمه كورقة انتخابية تثبت تحقيقه إنجازا كبيرا.
وفي ظل استمرار إسرائيل في توجيه التهديدات وتصعيد الضغط العسكري، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما التزمت به، لا سيما لجهة حصر السلاح وفرض قراراتها على كامل أراضيها. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة منح إسرائيل هامشا واسعا للتحرك، بانتظار ما تعتبره تنفيذا لبنانيا كاملا لاتفاق الإطار، فيما يبقى حزب الله أمام اختبار حاسم بين الاستمرار في خياراته السابقة أو مواجهة تداعيات مرحلة جديدة قد تكون أكثر خطورة على الجنوب ولبنان.