مرة جديدة، يبدو الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم وكأنه يغرد من كوكب آخر، منفصلا تماما عن الوقائع على الأرض. فبينما يتحمل هو وحزبه مسؤولية جر لبنان إلى واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه الحديث، وما خلفته حرب الإسناد من دمار واسع، وضربات غير مسبوقة أضعفت الحزب إلى حد كبير، وشردت عشرات الآلاف من أبناء بيئته، يعود قاسم ليحمل الدولة اللبنانية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بل يذهب إلى حد تخوين أركانها، متجاهلا حقيقة باتت واضحة، وهي أن سياسات الحزب كانت السبب الرئيسي في استجلاب الحرب الإسرائيلية إلى الداخل اللبناني.
والأسوء أن قاسم أعاد إحياء سردية الفضل الإيراني في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ناسفا بذلك أي دور للدولة اللبنانية في تثبيت الاستقرار الأمني، والحد من الاعتداءات الإسرائيلية التي تمددت إلى البقاع والضاحية الجنوبية وسواهما، وكأن الوقائع لا تقول إن لبنان كان سيبقى غارقا في أتون حرب مفتوحة، وقصف إسرائيلي مدمر، لو استمر ربط مصيره بمسار إسلام آباد.
أما المفارقة التي تجمع بين السخرية والمرارة، فهي أن قاسم، الذي لا يتردد في تخوين الدولة، دعاها، في الوقت نفسه، إلى فتح باب الحوار مع الحزب، وطالبها أيضا بالاهتمام بجملة من الملفات، وفي مقدمها التحقيق في انفجار مرفأ بيروت. وبعد يوم واحد فقط على الذكرى الأليمة، يحق للبنانيين أن يسألوا قاسم: من الذي عرقل التحقيق في هذه الجريمة؟ ومن هدد القضاة؟ ومن وفر الغطاء لمن أدخل نيترات الأمونيوم وخزنها، وللجهة التي كانت تمتلكها ولصالح من كانت؟
إنها أسئلة موجهة إلى نعيم قاسم، وإجاباتها معروفة سلفا وفق منطق الحزب الذي يمثله. حزب لم يعترف يوما بأي مسؤولية عن الكوارث التي جرها إلى لبنان، ولا يبدو أنه سيفعل، لأن بنيته الفكرية والسياسية تقوم على تحميل الآخرين المسؤولية، وتخوينهم، والتنصل من نتائج مغامراته العبثية التي دفع اللبنانيون أثمانها الباهظة.
وتعليقا على الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم خلال مراسم إحياء أربعينية الإمام الحسين في بعلبك، شن عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك هجوما حادا على مواقف قاسم، معتبرا أنها تعكس انفصالا عن الواقع وتناقضا في الخطاب السياسي، لا سيما في ما يتعلق بموقفه من مؤسسات الدولة اللبنانية.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن بعض العناوين التي طرحها قاسم، كحماية السيادة الوطنية، وتقوية الجيش، وانسحاب إسرائيل، وإعادة الإعمار، والتحقيق في انفجار مرفأ بيروت، قد تبدو في ظاهرها منطقية، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن، بحسب تعبيره، في أن قاسم يوجه، في الوقت نفسه، اتهامات بالتخوين إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ويعتبر أنهما يعملان لمصلحة إسرائيل على حساب مصلحة لبنان وسيادته، ثم يعود ليدعوهما إلى الحوار، وهو ما وصفه بأنه تناقض يؤكد فقدان أي صلة بالواقع والمنطق والخطاب السوي.
أضاف يزبك إن حالة الإنكار التي يعيشها قاسم بلغت، بحسب رأيه، مستوى غير طبيعي، مشيرا إلى أنه يرفض تحميل حزب الله أي مسؤولية عن الحروب التي شهدها لبنان وما خلفته من دمار وخسائر، ويقدم الحزب على أنه منتصر على الرغم من الضربات التي تعرض لها، ويتحدث وكأن لا علاقة له بما أصاب لبنان من مآس. واعتبر أن هذا الخطاب يعكس انفصالا كاملا عن الوقائع، لافتا إلى أن توصيف الحكومة لقاسم بأنه يرأس مجموعة مسلحة خارجة على القانون ينسجم مع طبيعة الخطاب الذي يتبناه. واعتبر أن مواقفه الأخيرة تعزز هذا التوصيف.
وفي ما يتعلق بدعوة قاسم إلى فتح باب الحوار مع سوريا، قال إن الأمين العام لحزب الله يتجاهل، بحسب رأيه، مسؤولية الحزب عن الأحداث التي شهدتها سوريا منذ العام 2012 وحتى سقوط نظام بشار الأسد، متهما الحزب، الذي قال إنه كان ينفذ أوامر إيران، بالمشاركة في ارتكاب مجازر بحق السوريين والفلسطينيين، لا سيما في مخيم اليرموك، في وقت يرفع فيه اليوم شعار الدفاع عن القضية الفلسطينية، معتبرا أن هذا التناقض يجعل خطابه غير جدير بالرد، وأنه لم يعلق عليه إلا احتراما للمنبر الإعلامي الذي استضافه.
وفي معرض تعليقه على حديث قاسم عن المسار الإيراني ودوره في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، أشار يزبك إلى أن هذا الكلام يندرج أيضا في إطار تجاهل الوقائع، مشددا على أن الدولة اللبنانية نجحت في الفصل بين المسار اللبناني والمسارات الإقليمية، لا سيما مسار إسلام آباد، الأمر الذي وفر، بحسب تعبيره، الحد الأدنى من الظروف اللازمة لحماية لبنان واستعادة سيادته على الجنوب. ورأى أنه لو بقي لبنان مرتبطا بذلك المسار، لاستمرت الحروب والعنف، ولكانت إسرائيل استمرت في استباحة الأراضي اللبنانية بوتيرة أكبر.
وعن رد رئيس الحكومة نواف سلام على مواقف قاسم، اعتبر أن رئيس الحكومة تعامل مع الخطاب بسرعة وحزم، مؤكدا أنه يمثل رجل دولة ورجل سيادة، وأن أولويته تبقى حماية مصلحة لبنان وسيادته. وقال إن موقف سلام ينسجم مع موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، مؤكدا دعم تكتل الجمهورية القوية له. وأشار إلى أنه ما دام يتولى رئاسة الحكومة بهذا الأداء الوطني، فلا خوف على لبنان.
وبين خطاب يتهم الدولة بالخيانة ثم يدعوها إلى الحوار، وينفي المسؤولية عن الحروب فيما يطالبها بتحمل نتائجها، يبقى السؤال المطروح: هل يمكن بناء دولة بسيادة واحدة ومنطق واحد، أم أن استمرار سياسة حزب الله في الإنكار والتناقض سيبقي لبنان أسير الأزمات نفسها؟