بعد اللقاء الذي دعا إليه التيار الوطني الحر، والذي عقد الخميس في 31 تموز 2026 في فندق فينيسيا تحت عنوان "حماية لبنان"، طرحت الورقة السياسية التي عمل عليها التيار خلال الأشهر الماضية، والتي تناولت عناوين مرتبطة بالمرحلة المقبلة، من دور الدولة وحصرية السلاح إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة.
ويأتي هذا اللقاء في توقيت سياسي دقيق، خصوصا وأن التيار الوطني الحر، الذي كان في موقع القرار خلال السنوات الماضية، هو من يطرح اليوم ورقة تتعلق بحماية لبنان وبناء تفاهمات داخلية حول المرحلة المقبلة. وفيما شاركت مجموعة من الكتل والشخصيات السياسية في اللقاء، غابت قوى أخرى، وكان لافتا غياب حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب، ما طرح تساؤلات حول خلفيات هذه المبادرة، وما إذا كانت قادرة على أن تتحول إلى أرضية مشتركة بين مختلف القوى السياسية.
وعن خلفيات هذه المبادرة، أكد المستشار السياسي لرئيس حزب التيار الوطني الحر أنطوان قسطنطين أن لقاء "حماية لبنان" شكل تتويجا لمسار من الاتصالات والنقاشات استمر أربعة أشهر، بدأ بمبادرة من التيار الوطني الحر في شهر آذار الماضي، بعد اندلاع الحرب ومشاركة حزب الله في الإسناد، وما رافق ذلك من انقسام داخلي ومخاوف حقيقية على لبنان من فتنة في الداخل ومخاطر في الخارج، موضحا أن المبادرة انطلقت بهدف وضع قواسم مشتركة يمكن أن يتفق عليها اللبنانيون على الرغم من انقساماتهم السياسية. وأشار إلى أن أولى اللقاءات كانت مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري، فرئيس الحكومة نواف سلام، قبل أن تتوسع الاتصالات لتشمل القوى السياسية والكتل النيابية والأحزاب والشخصيات، لافتا إلى أنهم أجروا ما لا يقل عن سبعين زيارة خلال الأشهر الأربعة الماضية.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن اللقاء الذي عقد الخميس ليس مؤتمرا، بل هو لقاء هدفه تتويج هذه المساعي، موضحا أن وثيقة ورقة حماية لبنان بدأت كمبادرة من التيار الوطني الحر، لكنها انتهت، بعد أربعة أشهر من النقاشات، إلى نص متفق عليه بين القوى التي شاركت في صياغته. وقال إن المجتمعين أرادوا من خلال اللقاء إظهار موافقتهم على مضمون الورقة، معتبرا أنه منذ أمس لم تعد الوثيقة ورقة التيار الوطني الحر، بل أصبحت ورقة الذين اجتمعوا في فينيسيا تحت عنوان "حماية لبنان".
واعتبر قسطنطين أن بعض القوى التي غابت عن اللقاء أعلنت تأييدها لمضمون الوثيقة، موضحا أن الحزب التقدمي الاشتراكي أبلغهم موافقته على مضمون الورقة، كما أن النائب فيصل كرامي، على الرغم من عدم حضوره، أصدر بيانا أعلن فيه تأييده للوثيقة، فيما كانت كتلته ممثلة في اللقاء من خلال النائب حسن مراد.
وفي ما يتعلق بالمشاركين، بيّن أن اللقاء ضم ممثلين عن ما يقارب إحدى عشرة كتلة أو مجموعة نيابية، من بينها كتلة الاعتدال الوطني، وحركة أمل، والتيار الوطني الحر، وتيار المردة، ونواب البقاع، ونواب بشري، إلى جانب مجموعات وكتل أخرى.
وعن غياب حزب القوات اللبنانية، قال قسطنطين إن الحزب لم يدع إلى اللقاء، لأنه رفض أساسا استقبال وفد من التيار الوطني الحر للاطلاع على ورقة حماية لبنان. أما حزب الكتائب، فأكد أنهم سلموه الورقة وناقشوها معه، وأبدى موافقة على مضمونها، إلا أنه اختار عدم المشاركة في اللقاء، معتبرا أن قرار الغياب يعود إليه.
وأشار إلى أن اللقاء لا يشكل جبهة سياسية أو إطارا دائما، بل اقتصر على تحديد الأهداف والثوابت الواردة في الوثيقة. وقال إنه إذا رأت القوى التي وافقت على هذه الثوابت، في مرحلة مفصلية، ضرورة الاجتماع مجددا لمعالجة قضية معينة أو التوافق على موقف موحد، فلا شيء يمنع ذلك، مشددا على أن اللقاء ليس جبهة سياسية، ولا لقاء دائما، ولا يشبه لقاء قرنة شهوان أو لقاء البريستول أو اصطفافي 8 و14 آذار.
وفي ما يتعلق بالخطوات المقبلة، شرح قسطنطين أنهم لا يسعون إلى الحلول مكان الحكومة، لأن مسؤولية اتخاذ القرارات التنفيذية تقع على عاتقها، لا سيما وأن جزءا من المشاركين ممثل فيها، مشددا على أن الهدف من اللقاء كان التوافق على مجموعة من الثوابت التي تشكل، برأيهم، حماية للبنان. واعتبر أن الوصول إلى هذا التوافق يشكل بحد ذاته خطوة إيجابية.
في النهاية، تبقى قيمة أي ورقة سياسية مرتبطة بما يمكن أن تتركه بعد طرحها، وبما إذا كانت ستنجح في خلق مساحة نقاش بين القوى المختلفة حول القضايا التي ينقسم حولها اللبنانيون منذ سنوات.