الجنوب أمام اختبار جديد لوقف إطلاق النار… مسيّرة مفخخة استهدفت آلية هندسية للجيش الإسرائيلي في تلة علي الطاهر، في حادثة أعادت التوتر إلى الواجهة، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول احتمال عودة التصعيد.
واعتبرت إسرائيل العملية خرقًا للاتفاق، وأكدت أنها ستواصل عملياتها في جنوب لبنان، فيما أشارت إلى أن الهجوم لم يؤدِ إلى وقوع إصابات.
فهل نحن أمام جولة تصعيد محدودة، أم أن هذه التطورات قد تعيد إشعال الجبهة من جديد؟ وما هي حسابات الأطراف في ظل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية؟
وفي هذا السياق، قال أمين عام المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية، عبدالله ريشا، إن المنطقة تشهد حاليًا مرحلة فاصلة بين التفاوض على مذكرة تفاهم إسلام آباد، المؤلفة من 14 بندًا، بين الولايات المتحدة وإيران، وبين المرحلة الثانية من المفاوضات.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الفترة الفاصلة بين كل جلسة تفاوضية وأخرى قد تتخللها أعمال عسكرية وأمنية، إلى جانب الحصارات ومختلف أشكال الضغوط، وصولًا إلى الضغوط السياسية التي قد تُمارس عبر حكومتي العراق ولبنان.
وأضاف ريشا أن المنطقة تعيش حاليًا "مرحلة شدّ حبال وتسجيل نقاط"، لافتًا إلى أن الفترات الفاصلة بين المحطات التفاوضية غالبًا ما تشهد تصعيدًا وكباشًا بين الأطراف.
وأكد أن لبنان يبقى متصلًا، بشكل أو بآخر، بما يجري في الإقليم، ويتأثر بمسار التطورات الإقليمية.
وأضاف ريشا أن الاتفاق الذي أُعلن في واشنطن لا قيمة فعلية له إذا استمرت الأعمال العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، كما هو حاصل اليوم، مؤكدًا أن لبنان يتأثر بشكل كبير بهذه التطورات.
ولفت إلى أنه، رغم وجود خروقات لوقف إطلاق النار من جانب حزب الله، فإن إسرائيل تواصل، بحسب قوله، خرق الاتفاق منذ اليوم الأول.
واعتبر ريشا أن هذه المعادلة أثبتت نفسها، لكنها تبقى مؤقتة ومرتبطة بمرحلة زمنية محددة، مشيرًا إلى أن هذا الواقع تبدّل مع بدء إيران، عبر حلفائها في العراق، الرد على القصف والضغوط الأميركية.
ورأى أن لبنان مرتبط بشكل مباشر بمسار المفاوضات الجارية وبالنزاع المسلح الدائر في المنطقة، الأمر الذي يجعله متأثرًا بأي تصعيد أو تطور إقليمي.
وقال ريشا إن وقف إطلاق النار شهد خروقات من جانب حزب الله، كما من جانب إسرائيل في السابق، معتبرًا أن ذلك كان متوقعًا في ظل طبيعة المواجهة القائمة.
ورأى أن العودة إلى حرب شاملة ليست مرجحة في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن ما قد تشهده المنطقة هو جولات من التصعيد والعنف، هدفها تحسين شروط كل من الطرفين قبل الجولة المقبلة من المفاوضات.
وردًا على سؤال حول إمكانية تصعيد الوتيرة في لبنان والذهاب إلى حرب، قال ريشا إن العملية التي استهدفت الجرافة، وبعد مرور 24 ساعة عليها، لا تشبه ما كان يحصل في مراحل سابقة، إذ كانت إسرائيل ترد سريعًا وبشكل دراماتيكي وعشوائي، بحسب تعبيره.
واعتبر أن غياب الرد الواسع حتى الآن يشير إلى وجود حسابات جديدة لدى إسرائيل، لافتًا إلى أن استمرار المعارك قد يكون مناسبًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ظل الاستحقاق الانتخابي المرتقب في تشرين الأول.
وأضاف ريشا أن نتنياهو، وفق تقديره، لم يتمكن، عبر الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران أو عبر اتفاق واشنطن، من طمأنة سكان شمال إسرائيل إلى أن لديهم أمنًا مستدامًا، وهو أمر يشكل مصلحة انتخابية له كمرشح.
وأشار إلى أن مرور 24 ساعة من دون تصعيد كبير يدل أيضًا على وجود حسابات إسرائيلية في هذه المرحلة، معتبرًا أن نتنياهو لم ينجح في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعودة إلى خيار الحرب الشاملة.
ولفت ريشا إلى أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب منفردة ضد إيران وحزب الله في الوقت نفسه، لافتًا إلى وجود حسابات داخل اليمين الإسرائيلي وداخل الحكومة الإسرائيلية تؤثر في مسار التصعيد.
ورأى أن احتمال عودة جولات العنف ومراحل متقطعة من الاشتباكات والقصف يبقى واردًا، في ظل حالة القلق القائمة، معربًا عن أمله في عدم الوصول إلى هذا السيناريو.
واعتبر ريشا أن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة جدًا، قبيل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة للكنيست الـ26، المقررة في 27 تشرين الأول 2026، وقبيل انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة، المقررة في 3 تشرين الثاني 2026، ما يجعلها عرضة لأي اهتزازات أو خروقات قد تحصل بين الحين والآخر.
وبين الخوف من عودة التصعيد ومحاولات ضبط الميدان، يبقى الجنوب أمام أيام حساسة، والجميع يترقب ما إذا كانت هذه الحادثة ستمر كرسالة محدودة، أم أنها ستكون بداية مرحلة أكثر توترًا.