شكلت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب محطة مفصلية في مسار العلاقات اللبنانية - الأميركية، إذ جاءت في أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ 17 عاما.
وعكست أجواء اللقاء اهتماما أميركيا استثنائيا بلبنان، تجلى في المواقف الإيجابية التي أطلقها ترامب، سواء لناحية إشادته بالرئيس عون أو تأكيده التزام الولايات المتحدة دعم استقرار لبنان ومساعدته على تجاوز أزماته. وسرعان ما ترجمت هذه الأجواء بخطوة عملية تمثلت في إعلان استئناف الرحلات الجوية الأميركية المباشرة إلى بيروت، بعد انقطاع دام 41 عاما منذ العام 1985، في مؤشر إلى عودة الثقة الأميركية بالواقع اللبناني.
وفي المقابل، أكد الرئيس عون تمسكه بسيادة الدولة، والمضي قدما في تنفيذ اتفاق الإطار، وحصر سلاح حزب الله بيد الشرعية، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني بما يكرس سلطته على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي قراءة لأبعاد الزيارة، رأى عضو الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية الدكتور جوزيف جبيلي أن أهميتها تكمن في أنها "تثبت العلاقة اليوم بين واشنطن وبيروت"، معتبرا أن لبنان أمام واقع جديد يتمثل بوجود التزام أميركي بالمساعدة على إخراجه من أزماته.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن لبنان "تعذب كثيرا وحان الوقت لإنقاذه" يعكس توجها أميركيا واضحا للوقوف إلى جانب اللبنانيين، معتبرا أن هذه المرحلة تفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة واستعادة مقوماتها.
وشدد جبيلي على أن المعركة الأساسية تبقى معركة السيادة، موضحا أن أي تقدم اقتصادي أو استثماري يبقى مرتبطا بوجود دولة فعلية قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها. وقال إن غياب السيادة يمنع الإتيان بالاستثمارات وبالشركات، فيما يؤدي تثبيت سلطة الدولة إلى فتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن يعيش خلالها لبنان أياما أفضل، خصوصا في حال نجاح المسار المرتبط باتفاق الإطار الذي ترعاه الولايات المتحدة.
وتطرق إلى إعلان الرئيس ترامب عودة الرحلات الجوية الأميركية المباشرة إلى بيروت، معتبرا أن هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، خصوصا وأنها تأتي بعد توقف استمر أكثر من 4 عقود، منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ورأى أن استئناف الطيران الأميركي يشكل مؤشرا إلى عودة الثقة الأميركية بالوضع اللبناني، إذ إن الولايات المتحدة لا تقوم بخطوة من هذا النوع ما لم تكن ترى وجود تطورات إيجابية في البلاد.
ولفت جبيلي إلى أن اللافت في هذا القرار هو سرعة تجاوب الرئيس الأميركي معه، موضحا أن الموضوع طرح خلال اللقاء ضمن ملفات أخرى، قبل أن يعطي ترامب توجيهاته إلى الجهات المعنية في إدارته للبدء بالعمل على إعادة تسيير الرحلات. واعتبر أن ذلك يعكس اهتماما مباشرا من أعلى مستوى في الإدارة الأميركية بلبنان، وبالرئيس عون الذي يقود مرحلة جديدة من التعاطي مع المجتمع الدولي.
وفي ما يتعلق بالتزامات الرئيس جوزاف عون بشأن حصر السلاح بيد الدولة وإشارته إلى خطة لنزع سلاح حزب الله وتعزيز صلاحيات الجيش اللبناني، رأى أن هذه الخطوة تندرج ضمن إطار اتفاق الإطار الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، والذي يقوم، بحسب وصفه، على معادلة أساسية عنوانها "الانسحاب مقابل السلاح"، موضحا أن مطلب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية هو مطلب لبناني، كما أن مطلب حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية اللبنانية هو أيضا مطلب لبناني بامتياز، بخلاف ما يشيعه الحزب وإيرانز واعتبر أن واشنطن تعمل على دعم مطالب لبنانية تتعلق ببناء الدولة وترسيخ سيادتها.
وأشار جبيلي إلى أن تنفيذ هذه الخطة سيكون تدريجيا، موضحا أن اللجنة الثلاثية المؤلفة من الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل تعمل على وضع آليات التنفيذ، بما يشمل مراحل الانسحاب، وانتشار الجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وأكد أن التفاصيل الدقيقة للخطة لا تزال قيد البحث، لكن الاتجاه العام يتمثل في تعزيز دور المؤسسات الرسمية وإنهاء أي واقع يفرض وجود سلاح خارج إطار الدولة.
ولفت إلى أن كلام الرئيس عون لا يقتصر على منطقة جغرافية محددة، بل يتصل بخطة شاملة تهدف إلى إنهاء ظاهرة سلاح حزب الله غير الشرعي في مختلف المناطق اللبنانية، مؤكدا أن لبنان لا يمكن أن يبقى مقسما بين مناطق نفوذ أو سلطات متوازية. ورأى أن الجيش اللبناني يحتاج إلى الدعم لتنفيذ هذه المهمة، مشيرا إلى الالتزامات الأميركية بتقديم المساعدات المطلوبة لتعزيز قدراته، إلا أن العبرة تبقى في كيفية تطبيق هذه الخطط على أرض الواقع.
وردا على احتمال استمرار حزب الله في رفض تسليم سلاحه أو عرقلة مهمة الجيش اللبناني، اعتبر جبيلي أن أي مواجهة مع المؤسسة العسكرية ستشكل خسارة إضافية للحزب، وليس للجيش، لأنها ستزيد من عزلة الحزب داخليا. ورأى أن التهديدات التي تطلق من حين إلى آخر تأتي في إطار رفع السقف ومحاولة توجيه رسائل إلى بيئته، معتبرا أن الحزب لا يملك اليوم القدرة على العودة إلى ما كان عليه سابقا.
وقال إن أي محاولة للجوء إلى أعمال أمنية أو توترات محدودة لن تكون كما في السابق، لأن الدولة وأجهزتها الأمنية باتت، بحسب رأيه، أكثر استعدادا لمواجهة أي محاولات تهدف إلى زعزعة الاستقرار، مشددا على أن لبنان يعيش مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة.
وتعليقا على الاعتراضات التي رافقت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى زوطر الغربية ورفع العلم اللبناني هناك، اعتبر جبيلي أنها تعكس، بحسب وصفه، نمطا من الخطاب السياسي الذي يرفض قيام الدولة وبسط سلطتها. ورأى أن مطالبة رئيس الحكومة بالحصول على إذن لدخول منطقة لبنانية تمثل سابقة غير مقبولة، مؤكدا أن رئيس الحكومة لا يحتاج إلى إذن من أحد لممارسة صلاحياته على الأراضي اللبنانية.
واتهم جبيلي الفريق المرتبط بإيران بمحاولة استخدام التصعيد السياسي والإعلامي لتعويض خسارته، معتبرا أن اللبنانيين باتوا يدركون نتائج المرحلة السابقة، لا سيما ما وصفه بتداعياتها على الجنوب والاقتصاد. وأكد أن الدولة تستعيد تدريجيا حضورها، وأن الرهان يجب أن يكون على المؤسسات الشرعية وعلى قدرة لبنان على الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها السيادة والاستقرار.
ويبقى التحدي الأساسي أمام لبنان في الانتقال من مرحلة الأزمات المفتوحة إلى مرحلة تثبيت منطق الدولة، حيث تشكل حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية وتعزيز دور الجيش مدخلا أساسيا لاستعادة السيادة وبناء الثقة داخليا وخارجيا. وبينما تتزايد الضغوط لتكريس هذا المسار، يبقى الرهان على قدرة الدولة على فرض حضورها على كامل الأراضي اللبنانية، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والتنمية وإعادة بناء لبنان.