بعد خمس جولات تفاوضية بين لبنان وإسرائيل، انتقلت "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان من مرحلة الاتفاق إلى التنفيذ، مع إعلان بدء المرحلة التجريبية لمشروع "المنطقة الآمنة" بالتعاون بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية والجيش اللبناني. وتأتي هذه الخطوة استنادًا إلى اتفاق 26 حزيران، وسط حديث عن دور رقابي للأمم المتحدة. ومع بدء دخول الجيش اللبناني إلى هذه المناطق، يبرز السؤال: هل تنجح هذه الآلية في تثبيت الهدوء وفتح مسار جديد في الجنوب؟
وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد الركن المتقاعد سعيد القزح، إنه لا يرى أي أمل في تحرير الأراضي المحتلة في الجنوب اللبناني عبر حروب الإسناد التي، بحسب تعبيره، فتحها "مغامر"، والتي استدرجت إسرائيل إلى التوغل حتى منطقة النبطية. وأضاف أنه لا يوجد أي حل أو أمل بخروج إسرائيل وتحرير الأرض إلا عبر نجاح "المناطق التجريبية"، وفق تعبيره.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن المنطقة التجريبية، أو ما وصفها رئيس الجمهورية جوزاف عون بـ"المنطقة النموذجية"، يجب أن تنجح، معتبرًا أن أي طرف يعرقل نجاح هذه التجربة لا يريد، بحسب رأيه، تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف القزح أن هناك خطرًا من أن تُقدم إسرائيل على إفشال هذه العملية، معتبرًا أنها لا تريد الانسحاب قبل التوصل إلى حل نهائي لمسألة سلاح حزب الله وسلاح الميليشيات غير الشرعية التابعة، بحسب قوله، لمنظمات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى منظمات فلسطينية تدور في فلكه، مثل حماس والجهاد.
ورأى القزح أن أول طرف قد لا يرغب في نجاح هذه التجربة هو إسرائيل، معتبرًا أن نجاحها قد يجعلها مُجبرة على الانسحاب من مناطق أخرى في الجنوب، ويفتح المجال أمام ضغوط أميركية لدفعها إلى استكمال الانسحاب من مناطق إضافية.
وتابع أن الطرف الثاني الذي، بحسب رأيه، لا يريد نجاح هذه التجربة هو الحرس الثوري الإيراني الموجود في لبنان، والمتمثل، بحسب وصفه، بحزب الله.
واعتبر أن عدم رغبة هذا الطرف في نجاح التجربة يعود إلى رغبته في إبقاء الساحة اللبنانية ورقة بيد إيران لاستخدامها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وتحقيق مكاسب إضافية، تتجاوز تلك التي حاولت إيران، أو اعتقدت أنها حصلت عليها، من خلال مذكرة التفاهم التي أُعلنت واعتبرتها انتصارًا لها، فيما وصفها بأنها كانت "مجموعة أفخاخ".
وأضاف القزح أن المناطق التجريبية يفترض أن تنجح، مشيرًا إلى أن الجيش اللبناني دخل إليها بكل جدية وتحت مراقبة الجانب الأميركي.
وأوضح أن الجيش سيعمل على بسط سلطة الدولة اللبنانية على هذه المناطق، من خلال ضبط السلاح غير الشرعي والوسائل القتالية غير الشرعية، إضافة إلى تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية التابعة للمنظمات غير الشرعية الموجودة فيها، والعمل على تنظيفها من أي وجود غير شرعي.
وقال القزح إن ذلك يعني، باختصار، بسط سلطة الدولة اللبنانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى على الأراضي التي سيدخل إليها الجيش.
ولفت إلى أن الجيش اللبناني مصمم على إنجاح هذه الخطوة، معتبرًا أنها تشكل الفرصة الأخيرة أمام لبنان لتحرير أراضيه.
وأضاف القزح أنه في حال فشلت هذه الخطوة، أو أقدم أحد الأطراف، سواء إسرائيل أو حزب الله، على إفشالها، فإن التطورات المقبلة قد تكون أكثر خطورة من سابقاتها، وقد تشهد تصعيدًا عسكريًا لا يمكن التنبؤ بحجم تداعياته.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي، بحسب تقديره، لديه أهداف أساسية، أبرزها الوصول إلى منطقة علي الطاهر، معتبرًا أن ذلك أمر محسوم بالنسبة إليه، إضافة إلى التقدم نحو منطقة إقليم التفاح، التي يرى أنها تشكل، بحسب تعبيره، "الخزان" أو مركز القيادة العسكرية لحزب الله في لبنان.
وأكد أن مراقبة تنفيذ هذه الخطوة ستكون أميركية بالدرجة الأولى، مع إمكانية إشراك قوات الطوارئ الدولية العاملة جنوب الليطاني.
وأوضح القزح أن إسرائيل تحاول رفض مشاركة القوات الدولية، إلا أنه من الممكن، بحسب رأيه، أن تقبل بهذا الدور تحت الضغط الأميركي، لا سيما أن لجنة "الميكانيزم" السابقة، التي تضم الجانب اللبناني والجانب الإسرائيلي وقوات الطوارئ الدولية والأميركيين والفرنسيين، لا تزال قائمة ولم يتم حلها.
ولفت إلى أن من بين الأسباب التي أخرت اجتماع الجانبين العسكريين اللبناني والإسرائيلي تمسك الجيش اللبناني والدولة اللبنانية بعدم السماح للجيش الإسرائيلي بتنفيذ أي استهداف داخل المناطق النموذجية، وفق التسمية التي يعتمدها لبنان.
وأوضح القزح أنه حتى في حال حصول خرق لوقف إطلاق النار أو أي مخالفة من قبل عناصر حزب الله، فإن الجيش اللبناني هو الجهة التي تتولى معالجة الأمر وضبط المخالفة، وليس مسموحًا لإسرائيل بالتدخل ميدانيًا.
وأشار إلى أن هذا الأمر تحقق، بحسب قوله، بفعل ضغوط أميركية.
وبين الرهان على نجاح هذه التجربة والتحذيرات من تداعيات فشلها، تبقى المناطق التجريبية أمام اختبار حاسم قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة في الجنوب، إما نحو تثبيت دور الدولة وبسط سلطتها، أو العودة إلى دائرة التوتر والتصعيد.