التقى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في زيارة حملت رسائل سياسية ودبلوماسية بارزة، بعدما سبقتها مواقف أميركية لافتة، أبرزها تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستتعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية، إلى جانب عودة الرحلات الجوية بين لبنان والولايات المتحدة، وما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة من تعاون بين البلدين.
وجاء هذا اللقاء في وقت يدخل فيه لبنان مرحلة دقيقة على مستوى تثبيت دور الدولة وترجمة القرارات إلى خطوات عملية، بالتزامن مع مسار تنفيذ اتفاق الإطار وبدء العمل على المناطق التجريبية في عدد من المناطق الجنوبية، وما يرتبط بذلك من ملفات سيادية وأمنية، في ظل رهان على دور أميركي في مواكبة هذه المرحلة ودعم مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش اللبناني.
في هذا الإطار، أكّد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كلاريمونت في كاليفورنيا، هشام أبو ناصيف، أن أهمية زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن لا تقتصر على بعدها الدبلوماسي، بل تكمن في دلالتها السياسية والسيادية، معتبرًا أنها قد تشكل إعلانًا لـ"الاستقلال الثالث" للبنان، إذا اعتُبر الانسحاب السوري عام 2005 محطة الاستقلال الثانية.
وأوضح، في حديث عبر منصة "بالعربي"، أن لبنان، وللمرة الأولى منذ انتهاء الحرب اللبنانية عام 1990، يتصرف بوصفه دولة تفاوض باسمها، بعدما خضع أولًا للوصاية السورية بين عامي 1990 و2005، ثم للنفوذ الإيراني، لافتًا إلى أن الرسالة الأساسية اليوم هي أن لبنان يفاوض عن نفسه، ويتحدث باسمه، ولا أحد يفاوض عنه. واعتبر أن نجاح الدولة في استكمال هذا المسار الاستقلالي من شأنه أن يفتح الباب أمام إعادة رسم العلاقات اللبنانية – الأميركية على أسس سليمة ومفيدة للطرفين، ولا سيما للبنان.
وتوقف أبو ناصيف عند كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن أن واشنطن ستتعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية، معتبرًا أن هذا الموقف يعكس استمرار الدور الأميركي التقليدي في دعم قيام دولة لبنانية قوية وحكم مركزي فاعل. وأضاف أن الولايات المتحدة كانت، في المجمل، دولة صديقة للبنان، وسعت تاريخيًا إلى دعم مؤسساته، معتبرًا أن رسالة روبيو إلى اللبنانيين مفادها أن واشنطن مستعدة للوقوف إلى جانبهم إذا تصرفوا كدولة وعززوا مؤسساتهم.
ورأى أن لبنان يحتاج اليوم إلى دعم مؤسساته الأمنية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وإلى دعم اقتصادي وسياسي يساعده على ترسيخ مصلحته الوطنية. كما يحتاج إلى دور أميركي يساهم في إقناع الدول العربية بضرورة ترك لبنان يدير شؤونه بنفسه بعيدًا من أي وصاية، إضافة إلى ممارسة الضغط من أجل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. وشدد على أن هذه الملفات يفترض أن تكون في صلب المحادثات التي أجراها الرئيس عون في واشنطن.
وفي ما يتعلق بالحديث عن استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، اعتبر أبو ناصيف أن تحقيق هذه الخطوة سيشكل مؤشرًا إيجابيًا جدًا على تطور العلاقات بين البلدين، مع الإشارة إلى أن الأمر لم يُحسم بعد.
أما في ما يتعلق بالمكوّن الشيعي، فشدد أبو ناصيف على أنه لا توجد أي نية لمواجهة الطائفة الشيعية، مؤكدًا أنها مكون أساسي في لبنان، ومن حقها أن تتمثل سياسيًا، وأن الخطاب الرسمي، وحتى خطاب أبرز خصوم حزب الله، لا يدعو إلى مواجهة هذا المكوّن، بل يطالب بحصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني. واعتبر أن الإشكالية تكمن في استمرار القوى الأساسية داخل هذا المكوّن، وفي مقدمها قيادة حزب الله وحركة أمل، في معارضة مشروع قيام الدولة، متسائلًا إلى متى سيستمر هذا النهج في مواجهة مشروع الدولة الذي يحظى، بحسب تعبيره، بدعم غالبية اللبنانيين.
ختامًا، يقف لبنان اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر، في ظل تحولات سياسية ورسائل دولية وخطوات بدأت تُترجم على الأرض. لكن التحدي يبقى في قدرة الدولة اللبنانية على استثمار هذه اللحظة، وترجمة نتائج زيارة واشنطن إلى خطوات عملية تعزز سيادة الدولة، وتثبت المسار الجديد قبل أن يضيع مجددًا بين الحسابات الداخلية والتجاذبات الخارجية.