لا تقرأ زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن كزيارة بروتوكولية عابرة، بل كخطوة سياسية تحمل أبعادا تتصل بمستقبل لبنان، وبمرحلة جديدة من العلاقة مع الولايات المتحدة.
لا تقرأ زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن كزيارة بروتوكولية عابرة، بل كخطوة سياسية تحمل أبعادا تتصل بمستقبل لبنان، وبمرحلة جديدة من العلاقة مع الولايات المتحدة.
عون هو أول رئيس لبناني يدخل البيت الأبيض منذ زيارة الرئيس ميشال سليمان في العام 2009، في محطة تعيد التواصل الرئاسي المباشر بين بيروت وواشنطن بعد سنوات من الفتور.
تأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقدم الملفات الأمنية والسياسية جدول المحادثات: حصرية السلاح بيد الدولة، مستقبل الوضع في الجنوب، تنفيذ التفاهمات القائمة، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية.
في واشنطن، حمل عون رؤية تقوم على مسار تدريجي لحصر السلاح بيد الدولة، مقابل انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية وتنفيذ اتفاق الإطار المبرم في السادس والعشرين من حزيران.
تعتبر الرئاسة اللبنانية أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى دور أميركي مباشر، خصوصا في ما يتعلق بضمان تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، بما يسمح للدولة اللبنانية باستعادة سيادتها الكاملة.
كما تبحث الزيارة آليات ترجمة اتفاق الإطار إلى خطوات عملية، تبدأ بانسحاب إسرائيلي من مناطق محددة في الجنوب، مقابل انتشار الجيش اللبناني، بالتوازي مع دعم المؤسسة العسكرية ماليا ولوجستيا لتثبيت الأمن والاستقرار.
لكن أهمية زيارة عون لا ترتبط فقط بملفات المرحلة الراهنة، فهي تعيد فتح سجل طويل من العلاقة بين الرئاسة اللبنانية والبيت الأبيض.
بدأت القصة مع الرئيس كميل شمعون. ففي العام 1956، دخل شمعون البيت الأبيض والتقى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، في واحدة من أبرز المحطات المبكرة في العلاقات اللبنانية - الأميركية.
جاءت الزيارة في ذروة الحرب الباردة، وفي مرحلة كان لبنان يحاول تثبيت موقعه كدولة مستقلة وسط صراع النفوذ الدولي وتصاعد المد القومي العربي. ركزت المحادثات آنذاك على دعم استقلال لبنان، وتعزيز سيادته، وتطوير العلاقة مع الولايات المتحدة.
وبعد أزمة 1958، طلب شمعون دعما أميركيا، فاستجابت إدارة أيزنهاور بإرسال قوات المارينز إلى بيروت، في خطوة شكلت محطة بارزة في تاريخ الحضور الأميركي في لبنان.
بعد شمعون، عكست كل زيارة رئاسية لبنانية إلى واشنطن طبيعة المرحلة التي كان يمر بها البلد. ففي العام 1967، زار الرئيس شارل حلو العاصمة الأميركية والتقى الرئيس ليندون جونسون، في ظل تداعيات حرب حزيران والتوترات الإقليمية المتصاعدة، مع تركيز على حماية استقرار لبنان.
أما الرئيس أمين الجميل، فكانت زيارته إلى البيت الأبيض عامي 1982 و1983 من أكثر المحطات حساسية، إذ جاءت ولبنان يعيش الحرب الأهلية بعد الاجتياح الإسرائيلي. مع الرئيس رونالد ريغان، بحث الجميل انسحاب القوات الأجنبية، ودور القوات متعددة الجنسيات، ودعم إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي العام 1996، زار الرئيس إلياس الهراوي واشنطن والتقى الرئيس بيل كلينتون، في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف. آنذاك، تصدرت إعادة الإعمار، ودعم الاقتصاد اللبناني، وتطبيق القرار 425، ملفات البحث، في محاولة لتعزيز حضور الدولة اللبنانية.
أما الرئيس ميشال سليمان، فكان آخر رئيس لبناني يدخل البيت الأبيض قبل جوزاف عون. ففي العام 2009، التقى سليمان الرئيس باراك أوباما، حيث ركزت المحادثات على دعم الجيش اللبناني، وتطبيق القرار 1701، والحفاظ على الاستقرار في الجنوب.
بعد زيارة سليمان، غابت الرئاسة اللبنانية عن البيت الأبيض لنحو 17 عاما. خلال هذه الفترة، شهد لبنان تحولات سياسية كبيرة، أبرزها تصاعد نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة، وتزايد الخلاف مع واشنطن حول دور الدولة في إدارة القرارين الأمني والعسكري. وانعكس ذلك على مستوى التواصل السياسي بين البلدين، فتراجع الانفتاح على مستوى الرئاسة الأولى، فيما بقي الدعم الأميركي متركزا على الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية.
اليوم، تأتي زيارة جوزاف عون في محاولة لفتح مسار جديد. زيارة تحمل معها رهانا على تعزيز دور مؤسسات الدولة، ودعم الجيش اللبناني، وتثبيت الاستقرار في الجنوب. لكن التحدي الأساسي يبقى في الانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض.
من شمعون إلى عون، سبعون عاما من المحطات بين بيروت وواشنطن. تتغير الظروف، وتتبدل العناوين، لكن السؤال يبقى: هل تكون زيارة جوزاف عون بداية مرحلة جديدة يستعيد فيها لبنان دور الدولة ومؤسساتها؟