حصلت منصة "بالعربي" على معلومات خاصة تكشف بالتفصيل ما جرى في الاجتماعات والاتصالات النيابية التي سبقت جلسة مناقشة قانون العفو العام، وكيف تحوّلت المعركة، في اللحظات الأخيرة، من معركة تهدف إلى تعديل قانون العفو وإنصاف السجناء المظلومين، إلى معركة مختلفة تمحورت حول قانون إلغاء حكم الإعدام.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "بالعربي"، فإن مجموعة من النواب قاطعت جلسة العفو العام، لأن الاجتماع الأخير الذي عُقد مع نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب والنائب علي حسن خليل، أظهر أنهم لم يكونوا مستعدين للقبول بأي تعديل على قانون العفو العام، وأن الموقف من التعديلات كان رفضًا كاملًا، أي "صفر تعديلات".
وأثار هذا الموقف استياء عدد من النواب، ما دفع مجموعة منهم إلى مغادرة الاجتماع، فيما بقيت مجموعة أخرى وركّزت تحرّكها على ملف إلغاء حكم الإعدام.
وهنا بدأت، وفق المعلومات، عملية تحويل وجهة المعركة النيابية. فبدل أن يبقى النقاش منصبًّا على قانون العفو العام والتعديلات الضرورية التي يمكن أن تساعد في إخراج سجناء يعانون الظلم داخل السجون، انتقلت الأنظار إلى قانون إلغاء حكم الإعدام، رغم أن الجهة الرافضة للتعديلات لم تكن مستعدة للتنازل عن أي بند أو تقديم أي تعديل حقيقي على قانون العفو.
وتشير معلومات "بالعربي" إلى أن الوزير علي حسن خليل هو من أضاف عبارة "المشددة" إلى الطرح خلال مناقشات اللجان النيابية المشتركة.
ومع إضافة هذه العبارة، برزت مشكلة مفادها أنه إذا أُقرّ قانون إلغاء حكم الإعدام من دون استثناءٍ في قانون العفو، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى بقاء مجموعة من السجناء في الحبس مدى الحياة، من دون أن يكون بإمكانهم الاستفادة من قانون العفو أو الخروج بعد انقضاء مدة زمنية معينة.
وبدل معالجة هذه الإشكالية من داخل قانون العفو، تحوّلت الأنظار بالكامل باتجاه إسقاط كلمة "المشددة" من عبارة "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة"، وسقط بعض النواب، بحسب المعلومات، في هذا الفخ نتيجة ضعف التنسيق وعدم وضوح التداعيات القانونية الكاملة لهذه الخطوة.
وتكشف المعلومات أن التنسيق بين النواب كان سيئًا، ولا سيما في اللحظات الأخيرة التي سبقت الجلسة، ولم يكن جميع النواب المعنيين بالملف على اطلاعٍ كافٍ على تفاصيل ما يجري، وكان كل نائب أو فريق يتحرك بصورة منفردة، من دون وجود تنسيق أو خطة واضحة لإدارة المعركة داخل الجلسة.
ونتيجة هذا الارتباك، تحرّك عدد من النواب قبل الجلسة لإجراء اتصالات وضغوط نيابية، بهدف إسقاط كلمة "المشددة" خلال التصويت، اعتقادًا منهم أن إسقاطها يمكن أن يساعد في تمرير قانون العفو ويتيح استفادة عدد أكبر من السجناء منه.
إلا أن خطورة هذه الخطوة لم تكن واضحة للجميع في البداية. فإسقاط كلمة "المشددة" كان يمكن أن يخدم قانون العفو في الظرف الراهن، لكنه كان سيخلق، في المقابل، مشكلة خطيرة في السياسة العقابية اللبنانية مستقبلًا.
فالعقوبة التي تأتي مباشرة بعد حكم الإعدام هي الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، وهي عقوبة تعني أن المحكوم بها يبقى في السجن مدى الحياة، ولا يستفيد من إمكان الخروج بعد مرور عدد معين من السنوات.
أما في حال حذف كلمة "المشددة" والإبقاء على عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة فقط، فإن مرتكبي الجرائم الخطيرة، ومن بينهم القتلة ومرتكبو جرائم الاغتصاب المقترنة بالقتل، قد يصبح بإمكانهم الخروج من السجن بعد مرور نحو 15 أو 16 أو 17 أو 18 عامًا، وفقًا للآليات القانونية التي قد تتيح تخفيض العقوبة أو الاستفادة من أحكام أخرى.
وتشير المعلومات إلى أن عددًا من النواب لم يدرك هذه التداعيات إلا بعد انتهاء الجلسة وطرح الأسئلة على قانونيين ومتابعين للملف، ليتبيّن لاحقًا أنهم كانوا على وشك الوقوع، ولو جزئيًا، في خطأ تشريعي كبير نتيجة العجلة وضعف التنسيق.
وفي هذا السياق، تكشف معلومات "بالعربي" أن انسحاب نواب تكتل "الجمهورية القوية" من الجلسة، على الرغم من اعتراض بعض النواب عليهم ومواجهتهم داخل الجلسة بسبب قرار الانسحاب، أسهم عمليًا في إنقاذ النواب المؤيدين للعفو من تمرير هذا الخطأ التشريعي.
فخروج نواب "القوات اللبنانية" حال دون اكتمال المسار الذي كان يمكن أن يؤدي إلى إسقاط كلمة "المشددة"، وبالتالي منع إقرار تعديل قد تكون له تداعيات خطيرة على المجتمع وعلى مستقبل السياسة العقابية في لبنان.
وتكشف معلومات "بالعربي" أيضًا عن تفصيل آخر لم يكن عدد من النواب المعنيين على علم به، ويتمثل في حصول النواب على التزام من رئيس تكتل "الجمهورية القوية" بأن يوقع، إلى جانب نواب ينتمون إلى الجو السياسي نفسه، على ورقة تتضمن التزامًا بإقرار قانون العفو وفق الصيغة التي اتفق عليها النواب السنّة.
إلا أن هذا الأمر لم يُبلَّغ إلى عدد كبير من النواب.
وتؤكد المعلومات أن المعركة الأساسية اليوم يجب أن تعود إلى قانون العفو العام نفسه، وإلى التعديلات المطلوب إدخالها عليه، بدل الانتقال مجددًا إلى معارك قانونية أخرى تُبعد الأنظار عن الهدف الأساسي.
فالثنائي الشيعي رافض كليًا إجراء أي تعديل على قانون العفو من شأنه إنصاف السجناء الذين يعانون الظلم أو الذين أمضوا سنوات طويلة في السجن من دون محاكمة عادلة أو نتيجة ملفات تشوبها إشكاليات قانونية.
وفي المقابل، تعاني الجبهة المؤيدة لتعديل قانون العفو من الانقسام إلى أكثر من اتجاه، إذ تؤثر بعض التحالفات والحسابات السياسية في مواقف النواب، ما يجعل السياسة تتقدم أحيانًا على قضية إنصاف السجناء وإحقاق العدالة.
وتشير المعلومات إلى أن القوى المؤيدة لتعديل القانون قادرة، في حال توحيد صفوفها، على تشكيل تجمع نيابي كبير لا يقتصر على النواب السنة فقط، بل يشمل نوابًا من كتل واتجاهات سياسية مختلفة.
فإذا التزم تكتل "الجمهورية القوية" السير في التعديلات، وانضم إليه حزب الكتائب، وعدد كبير من النواب المستقلين، ومعظم النواب التغييريين، إلى جانب النواب السنّة المؤيدين للعفو، فمن الممكن تشكيل مجموعة نيابية تضم ما بين 50 و55 نائبًا، جميعهم يتحركون في الاتجاه نفسه.
ومن شأن تشكيل هذه الكتلة النيابية الواسعة أن يمنح القوى المؤيدة للعفو القدرة على خوض معركة تعديل القانون داخل المجلس النيابي والفوز بها، بدل بقاء كل نائب أو مجموعة يعمل بصورة منفردة.
إلا أن المشكلة، بحسب معلومات "بالعربي"، تكمن في "كثرة الطباخين"، إذ تسعى جهات متعددة إلى إدارة الملف أو الاستفادة منه سياسيًا وشعبيًا، ويحاول كل فريق الظهور بوصفه الجهة التي أوصلت قانون العفو إلى مرحلته الحالية أو حققت التقدم فيه.
وقد أدى هذا التنافس على استثمار الملف سياسيًا وشعبيًا إلى تضارب المبادرات، وتشتت القرار، وغياب المرجعية الموحدة، ما انعكس سلبًا على فرص إقرار القانون.
وتخلص المعلومات إلى أن ما حصل خلال الشهر الأخير كان السبب الأساسي في تعطيل الاتفاق على قانون العفو، بعدما كان الملف قد وصل إلى مرحلة متقدمة، وكان هناك تفاهم مع رئيس الجمهورية على صيغة محددة.
ولو استمر الاتفاق بالسير وفق ما جرى التفاهم عليه مع رئيس الجمهورية، لكان معظم السجناء المشمولين بالقانون قد خرجوا من السجون، فيما كان يمكن أن يبقى عدد محدود منهم مدة إضافية لا تتجاوز سنتين أو ثلاث سنوات، في أصعب الحالات، قبل أن يصبح بإمكانهم الخروج.
لكن تعدد الجهات المتدخلة، وسوء التنسيق، وعدم إبلاغ النواب بالالتزامات السياسية التي تم الحصول عليها، وتحويل المعركة من تعديل قانون العفو إلى إلغاء حكم الإعدام، كلها عوامل أدت إلى تعطيل الاتفاق وإضاعة فرصة كانت قريبة من إنصاف عدد كبير من السجناء.
وبحسب المعلومات، فإن الخروج من المأزق يبدأ بإعادة توجيه البوصلة نحو قانون العفو العام، وتوحيد النواب المؤيدين للتعديلات ضمن جبهة واحدة، ومنع التحالفات والمصالح السياسية من التأثير في قضية العدالة، لأن استمرار العمل بالطريقة نفسها سيؤدي إلى مزيد من الانقسام وتعطيل القانون، في وقت يدفع السجناء وعائلاتهم ثمن هذا التخبط.