July 16, 2026   Beirut  °C
سياسة

بعد امتناع "الجمهورية القوية" عن التوقيع على التمديد لليونيفيل.. فادي ظريفه: الحل في تمكين الدولة من فرض سلطتها

أثار امتناع أعضاء تكتل الجمهورية القوية عن التوقيع على العريضة النيابية التي وقعها 86 نائبا، والموجهة إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالتمديد لقوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، موجة من التساؤلات، لا سيما وأن نواب حزب الله امتنعوا بدورهم عن التوقيع عليها. ودفع ذلك بعض الأوساط السياسية إلى الحديث عن تقاطع في الموقف بين الطرفين حيال ملف اليونيفيل، على الرغم من التباين الجوهري في خلفيات هذا الموقف ودوافعه.

وفي حين انطلق كل من القوات اللبنانية وحزب الله من اعتبارات مختلفة لتبرير رفض التوقيع على العريضة، أكد مؤيدو موقف تكتل الجمهورية القوية أن امتناعهم يستند إلى مقاربة قانونية وسياسية مختلفة تتعلق بدور الدولة اللبنانية وصلاحياتها، وبطبيعة مهمة قوات اليونيفيل في المرحلة المقبلة، بعيدا عن الاعتبارات التي تحكم موقف حزب الله من وجود هذه القوات.


وفي معرض شرحه لأسباب امتناع تكتل الجمهورية القوية عن التوقيع على العريضة، اعتبر المحامي فادي ظريفه أن اقتراح القانون الذي تقدم به عدد من النواب لتمديد مهمة قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) يحمل أبعادا سياسية واضحة، لافتا إلى أن مسألة التمديد تعد في الأصل من صلاحيات السلطة التنفيذية، ولا تندرج مبدئيا ضمن الأعمال التشريعية. ورأى أن قراءة الجهات السياسية التي وقعت على الاقتراح تكشف وجود أهداف سياسية تقف خلف هذه الخطوة.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الدور الأساسي الذي أنشئت من أجله قوات اليونيفيل، منذ دخولها إلى لبنان، ولاحقا بعد صدور القرار 1701 الذي منحها صلاحيات أوسع، كان يتمثل عمليا في الفصل بين إسرائيل وحزب الله داخل الأراضي اللبنانية، وليس بين لبنان وإسرائيل كدولتين. وقال إن الدولة اللبنانية كانت تؤكد باستمرار أنها ليست طرفا مباشرا في المواجهة، ما جعل وجود هذه القوة الدولية يشكل أداة للفصل بين الجانبين.


وأشار ظريفه إلى أن الظروف السياسية التي أوجدت القرار 1701 تغيرت بصورة جذرية، إذ إن لبنان يخوض اليوم مفاوضات مع إسرائيل، كما أن الدولة تسير، وفق القرارات الحكومية، في اتجاه حصر السلاح بيدها وتنفيذ التزاماتها، معتبرا أن تنفيذ هذه القرارات سيجعل الدولة اللبنانية مسؤولة بصورة مباشرة عن أمن حدودها وعن منع أي اعتداء ينطلق من الأراضي اللبنانية، سواء أفضت المفاوضات إلى اتفاق سلام أو معاهدة أمنية أو اتفاق لفك الاشتباك. ولفت إلى أن اختلاف التسمية لا يغير من جوهر المسؤولية التي ستتحملها الدولة.


وقال إن الاتفاق الموقع في تشرين الثاني 2024 تضمن بنودا واضحة تتعلق بحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، مشيرا إلى أن هذا الأمر شمل تحديد الجهات الرسمية المخولة بحمل السلاح داخل لبنان. وبناء على ذلك، رأى أن الدولة اللبنانية ستكون المرجعية الوحيدة المسؤولة أمام المجتمع الدولي عن حماية الحدود وتنفيذ التزاماتها، الأمر الذي يجعل استمرار الدور الحالي لليونيفيل فاقدا للمبررات التي استند إليها عند إنشائه.


وانتقد ظريفه المطالبين بالإبقاء على اليونيفيل بصيغتها الحالية، متسائلا عن المبررات الفعلية لاستمرارها إذا كانت الدولة اللبنانية تتجه إلى بسط سلطتها الكاملة على أراضيها. كما رأى أن القوة الدولية لم تنجح في أداء المهمة الموكلة إليها، إذ اقتصر دورها، بحسب تعبيره، على توثيق الخروقات الإسرائيلية أو تلك المنسوبة إلى حزب الله، من دون أن تتمكن من منعها أو الحد منها، مشيرا إلى أن اليونيفيل كانت كذلك توثق الاعتداءات التي كانت تتعرض لها من بعض الأهالي. واعتبر أن أداءها لم يحقق النتائج المرجوة. وقال إن وجودها، بالنسبة إليه، ألحق ضررا بلبنان، لأنها لم تتخذ موقفا حاسما عندما كانت تشاهد، بحسب قوله، إنشاء الأنفاق والتحصينات العسكرية التابعة لحزب الله في مناطق قريبة من مواقع انتشارها، من دون أن تبلغ عن هذه الأنشطة أو تعتبرها مخالفة للقرار 1701، ما يعني أنها لم تؤد دورها الرقابي كما ينبغي.


ورأى أن استمرار وجود هذه القوات يفرض أعباء معنوية ومادية من دون تحقيق نتائج عملية، معتبرا أن مجرد إحصاء الخروقات لم يكن كافيا لإحداث أي تغيير على الأرض، الأمر الذي يدفع، برأيه، إلى إعادة النظر في مسألة التجديد لمهمتها.


وفي المقابل، أشار ظريفه إلى أنه إذا رأت الدولة اللبنانية مستقبلا وجود حاجة فعلية إلى قوة فصل دولية، فيمكن عندها البحث في إنشاء قوة تتمتع بصلاحيات واضحة ومحددة، على غرار قوات الفصل الموجودة منذ سنوات طويلة في مناطق نزاع أخرى، بحيث يكون دورها منع الاحتكاك المباشر بين الأطراف المتنازعة والتدخل عند وقوع أي خرق، وليس الاكتفاء بالمراقبة أو تسجيل الوقائع.


وشدد على أن الحل الحقيقي لا يكمن في زيادة عدد القوات الدولية أو توسيع انتشارها، بل في تمكين الدولة اللبنانية من فرض سلطتها الكاملة، مؤكدا أن السلاح يجب أن يكون محصورا حصرا بالمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، وفي مقدمها الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الشرعية، لأن أي وجود مسلح خارج إطار الدولة سيبقي المشكلة قائمة مهما بلغ حجم القوات الدولية المنتشرة في الجنوب.


وأكد ظريفه أن العامل الحاسم في تنفيذ أي قرار أمني هو وجود قرار سياسي واضح، مستشهدا بما شهدته مناطق البقاع والهرمل خلال الفترة الأخيرة، حيث كانت الدولة، بحسب رأيه، تتردد في مواجهة شبكات تجارة المخدرات بحجة تجنب المواجهات المسلحة، ما سمح لهذه الشبكات بالتوسع وتهريب المخدرات إلى دول عدة، بينها المملكة العربية السعودية والكويت. وشدد على أن المشهد تبدل بعد اتخاذ قرار سياسي حاسم بملاحقة المطلوبين، لا سيما بعد التطورات التي شهدتها المنطقة منذ العام 2023، وما رافقها من تراجع نفوذ حزب الله وانهيار النظام السوري، معتبرا أن القوى الأمنية نفذت عندها مئات العمليات الأمنية، وتمكنت من توقيف مطلوبين كانوا في السابق بمنأى عن الملاحقة، على الرغم من أنهم كانوا يظهرون علنا ويختلطون بمسؤولين وشخصيات رسمية.


وقال إن هذه التجربة تثبت أن الأجهزة الأمنية قادرة على تنفيذ مهامها متى توافر القرار السياسي، وأن أحدا لا يستطيع الوقوف في وجهها عندما تتلقى التعليمات الواضحة، مؤكدا أن مهمة القوى الأمنية والعسكرية تقتضي التضحية في سبيل حماية الوطن والحفاظ على الجمهورية، وليس الاكتفاء بأداء شكلي لا يحقق الأمن المطلوب.


وردا على ما يثار بشأن تقاطع موقف تكتل الجمهورية القوية مع موقف حزب الله في رفض التوقيع على اقتراح تمديد اليونيفيل، رفض ظريفه هذا التوصيف، معتبرا أن تشابه النتيجة لا يعني تشابه الدوافع. وأوضح أن موقف الجمهورية القوية يستند إلى قناعة بضرورة قيام دولة قوية تحتكر السلاح والقرار، بينما ينطلق موقف حزب الله، بحسب رأيه، من اعتبارات مختلفة تماما.


وأكد أن مشروع الجمهورية القوية يقوم على تعزيز مؤسسات الدولة الدستورية، وفي مقدمها رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب وسائر المؤسسات التنفيذية والأمنية، معتبرا أن حزب الله لا يرغب بقيام هذه الدولة، بل يعمل، وفق تعبيره، على تكريس مشروع الجمهورية الإسلامية في لبنان بوصفها امتدادا للجمهورية الإسلامية في إيران، وأن مواقفه السياسية تنطلق من هذه الاستراتيجية، بما في ذلك موقفه من وجود قوات اليونيفيل.


ويبقى الجدل حول التمديد لقوات اليونيفيل جزءا من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الدور الذي ستؤديه الدولة اللبنانية في الجنوب، في ظل المتغيرات السياسية والأمنية الراهنة. وبين من يرى ضرورة الإبقاء على القوة الدولية ومن يعتبر أن المرحلة تستوجب إعادة النظر في مهمتها، يبقى المعيار الأساس هو قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، بما يضمن حماية الحدود وتنفيذ التزاماتها الداخلية والدولية.