في وقتٍ تتواصل فيه المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، لاستكمال البحث في الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، يشهد الإقليم، في المقابل، تصعيدًا متسارعًا بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تعثر الملفات الخلافية بين الطرفين، من البرنامج النووي إلى مضيق هرمز، وسط مؤشرات إلى دخول العلاقة بينهما مرحلةً أكثر توترًا.
وبين المسار التفاوضي اللبناني - الإسرائيلي والتصعيد الإقليمي المتسارع، تتجه الأنظار إلى لبنان، وسط مخاوف من أن تنعكس أي مواجهة أوسع على مسار التفاهمات المطروحة في الجنوب، أو أن تعيد الساحة اللبنانية إلى واجهة الاشتباك. فإلى أي مدى يمكن أن تؤثر المواجهة الأميركية - الإيرانية في مسار المفاوضات؟ وهل يبقى لبنان بمنأى عن تداعياتها، أم يصبح مجددًا إحدى ساحات الصراع؟
وفي هذا الإطار، أكد مدير "مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية"، الدكتور سامي نادر، أن التطورات في جنوب لبنان لا يمكن فصلها عن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لافتًا إلى أن مذكرة التفاهم بين الطرفين لم تحسم الملفات الأساسية، إذ لا تزال مسألة مضيق هرمز عالقة، حيث تسعى إيران إلى تكريس سيطرتها عليه، فيما ترفض الولايات المتحدة ذلك. كما أشار إلى أن الملف النووي لم يُحسم بعد، في ظل مؤشرات وتقارير عن عودة بعض المفاعلات النووية إلى العمل، إلى جانب استمرار ملف الأذرع الإيرانية.
وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن هذا الواقع دفع الأمور نحو التصعيد، سواء من خلال الضربات الأميركية داخل إيران أو عبر الضغط على أذرعها في المنطقة، لافتًا إلى ما يجري أيضًا في اليمن، حيث بدأت إيران تعود إلى استخدام أوراقها، الأمر الذي يثير مخاوف من أن تعود إلى استخدام ورقة حزب الله في لبنان. وشدّد على ضرورة الدفع باتجاهٍ معاكس، أي انتزاع هذه الورقة من إيران عبر نزع سلاح حزب الله، موضحًا أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، ومن هنا تأتي أهمية اتفاق الإطار.
ولفت نادر إلى أن المطروح اليوم، في حال تنفيذ بنود الاتفاق، هو انسحاب إسرائيلي تدريجي من بعض النقاط داخل الأراضي اللبنانية، يقابله انتشار الجيش اللبناني بصورة حصرية في الجنوب، بما يزيل تهديد حزب الله بالنسبة إلى إسرائيل، مشيرًا إلى أن فكرة المناطق التجريبية جاءت لتجاوز المأزق الذي كان قائمًا سابقًا، حين كان لبنان يطالب بالانسحاب، فيما كانت إسرائيل تشترط إزالة تهديد حزب الله.
وبين أن هذا المسار يحظى أيضًا بدعم دولي، ولا سيما أوروبيًا وعربيًا، ويتزامن مع اقتراب انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل"، في ظل حديث عن رغبة العديد من الدول، بينها إيطاليا وفرنسا وألمانيا، في المشاركة بقوة أو آلية جديدة لدعم الجيش اللبناني في تنفيذ المهام الموكلة إليه، وصولًا إلى حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية.
ورأى نادر أن السيناريوهات تبقى مرتبطة بموقف حزب الله، فإذا استجاب لهذا المسار، يمكن أن تستكمل الترتيبات المطروحة، أما إذا لم يستجب، فقد تتجه الأمور نحو تكريس واقع جديد يبقى فيه الحزب موجودًا في مناطق بعيدة عن سلطة الدولة، لكنه سيكون أكثر عزلة، ولا سيما بعد سقوط النظام السوري وانقطاع قنوات التواصل التي كانت تربطه بالعمق الإيراني. وبالتالي، فإن هذا الأمر سيشكّل، بحسب رأيه، ضغطًا كبيرًا على بيئة حزب الله.
وفي نهاية المطاف، ورغم الأجواء الإيجابية التي ترافق مسار المفاوضات، ولا سيما بعد إعلان الوفد الإسرائيلي استعداده للانسحاب من منطقتين تجريبيتين، يبقى المشهد اللبناني محكومًا أيضًا بالتطورات الإقليمية. فمع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد الحديث عن إعادة تحريك طهران لأذرعها في المنطقة، تبرز تساؤلات حول ما إذا كان لبنان سيتمكن من الحفاظ على مسار التهدئة، أم أن رياح التصعيد ستنعكس على الساحة اللبنانية.