July 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية روبرت رابل: واشنطن تمهد لمسار أمني يقود إلى السلام

تُشكل جولة روما المقررة يومي 14 و15 تموز 2026 محطة مفصلية لاختبار مدى القدرة على ترجمة "اتفاق الإطار" الثلاثي الذي أُبرم سابقا في واشنطن إلى خطوات عملية.

ويشارك في جولة روما الوفد الأميركي نفسه الذي قاد مفاوضات واشنطن، في مؤشر إلى اهتمام أميركي واضح بإنجاح المسار. لكن ما الذي تراهن عليه واشنطن هذه المرة؟ وما الذي تغير بين مرحلتي واشنطن وروما؟ وهل تحمل الجولة الجديدة فرصة فعلية لتحقيق اختراق طال انتظاره؟

وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية روبرت رابل إن الخطوة الأولى والأهم في هذه المرحلة هي حسم مسألة المناطق التجريبية (Pilot Zones)، موضحا أن هناك منطقتين أساسيتين يُبحث فيهما: الأولى جنوب نهر الليطاني، حيث تقع بلدة فرون، والثانية شمال الليطاني.


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه المناطق تحتاج إلى حسم نهائي بين الأطراف المعنية، مشيرا إلى أن النقطة الثانية الأساسية هي آلية التنفيذ (Mechanism of Implementation and Execution)، أي كيفية تطبيق الاتفاق عمليا وترجمة بنوده إلى خطوات ميدانية واضحة.


وأوضح رابل أن الفريق اللبناني يرفض الدخول في أي تعامل مباشر مع الجانب الإسرائيلي، في وقت يطالب الجانب الإسرائيلي بتنسيق مباشر مع الجيش اللبناني، مشيرا إلى أن الجيش اللبناني، وكذلك رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، رفضوا هذا الطرح، مؤكدين أن أي جلسات أو ترتيبات يجب أن تحصل تحت رعاية وضمانة أميركية.


وأشار إلى أن الجانب اللبناني يقول إنه إذا كان المطلوب الجلوس إلى طاولة البحث، فيجب أن يحصل ذلك ضمن إطار ترعاه الولايات المتحدة، لافتا إلى أن هذا الملف سيكون من بين النقاط التي ستُبحث لاحقا، إلى جانب تحديد الجدول الزمني للتنفيذ.


وشدد رابل على أن النقاش حول المناطق المطروحة ليس جديدا، إذ سبق أن أُثيرت ملاحظات إسرائيلية بشأنها، باعتبار أن الجانب الإسرائيلي لا يعتبرها محسومة بالكامل. لكنه رأى أن هذا الأمر لا يشكل عقبة كبيرة، معتبرا أن رئيس الجمهورية جوزاف عون بات منفتحا على هذا المسار باعتباره خطوة مرتبطة بحسن النية.


ولفت إلى أن المرحلة التالية ستتعلق بما سيُقدم للجيش اللبناني، وكيفية انتشاره على الأرض، وما هي المعدات التي سيحصل عليها، إضافة إلى آلية تعامله مع الجانب الإسرائيلي، موضحا أن هذه الملفات ستكون استكمالا للجانب السياسي من الاتفاق.

وقال رابل إن الجانب اللبناني يريد، خصوصا أمام الشعب اللبناني، إظهار وجود تقدم ملموس في المسار، مشيرا إلى أن ترجمة هذا التقدم تحتاج إلى خطوات عملية، وفي مقدمتها التأكد من أن الجانب الإسرائيلي يمضي فعلا في مسار الانسحاب.


وأوضح أن الفريق اللبناني لديه مخاوف وتحفظات، مشيرا إلى أن الجانب الإسرائيلي يقول إنه مستعد للانسحاب، شرط التأكد من أن المناطق التجريبية ستكون خالية بالكامل من عناصر حزب الله ومن أي بنية تحتية عسكرية تابعة له.


ورأى رابل أن المسار الحالي يقوم على جانبين متوازيين: مسار سياسي ومسار عسكري مكمل له، لافتا إلى أن التركيز الأساسي في المرحلة المقبلة سيكون على آلية التنفيذ، ابتدءا من تثبيت المناطق المعنية - التي يعتقد أنها أصبحت شبه محددة - وصولا إلى وضع التفاصيل العملية لكيفية تطبيق الاتفاق.


وأشار إلى أن هناك أيضا تحضيرا لزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، موضحا أن الأميركيين يعتبرون أن هناك فرصة للمضي قدما في مسار أمني يمهد لاحقا لمسار سلام مع إسرائيل.


وفي المقابل، أوضح رابل أن الجانب اللبناني مستعد للمضي في هذا المسار، لكنه لا يزال يشعر ببعض القلق، موضحا أن أسباب هذا القلق ترتبط خصوصا بالجدول الزمني، وبطبيعة المناطق وحجمها وحدودها، إضافة إلى عدد من التفاصيل التي تحتاج إلى نقاش.


وقال إن النقطة الأهم هي أن الوفدين اللبناني والإسرائيلي لا يزالان يتحركان إلى الأمام، معتبرا أن وجود رعاية أميركية يوفر إطارا يسمح للطرفين بالجلوس والتوصل إلى أرضية مشتركة للعمل.


وشدد رابل على أن الملفات الأكثر حساسية بالنسبة إلى لبنان تبقى مرتبطة بمصير حزب الله، وكيفية تعامل الدولة اللبنانية معه، إضافة إلى حجم الدعم الذي ستقدمه الولايات المتحدة للجيش اللبناني، وهي قضايا ستشكل جزءا أساسيا من النقاشات المقبلة. وقال إن هناك عددا من الملفات التي لا تزال تُصنف ضمن "الأسئلة المفتوحة"، أي أنها قضايا لا يمكن تحديد موعد نهائي لحسمها، وفي مقدمتها ملف حزب الله وسلاحه والعلاقة مع إسرائيل.


وأوضح أن الموقف الإسرائيلي كان ثابتا لجهة الاستعداد للعمل مع الجانب اللبناني، مشددا، في المقابل، على ضرورة وجود آلية واضحة تضمن مسارا يؤدي إلى إزالة القدرات العسكرية لحزب الله. واعتبر أن هذا الأمر يشكل أحد أكبر التحديات المطروحة.


وأشار رابل إلى أن نجاح المناطق التجريبية سيكون اختبارا عمليا، إذ إن الانتقال من منطقة تجريبية إلى أخرى سيتطلب التأكد من قدرة الآلية الموضوعة على العمل، بالتوازي مع ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، لافتا إلى أن هناك آراء مختلفة حول ملف الحدود، وأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سيتناول هذا الموضوع. واعتبر أن الأفضل هو المضي في مسار ترسيم الحدود بالتوازي مع خطوات التنفيذ، وليس الانتظار حتى الانتهاء منه بالكامل، لأن معظم الحدود سبق أن حُددت، وما تبقى يتركز بشكل أساسي على الحدود البرية.


وقال إن هذه الملفات ستكون حاضرة في النقاشات، مشيرا إلى أن الاجتماع المرتقب في روما أثار بعض الاستياء لدى الجانب اللبناني، بعدما أُعلن عن مكان انعقاده من دون أن يكون لبنان على علم مسبق به، إلا أن هذا الإشكال جرى احتواؤه لاحقا، موضحا أن الاجتماع سيُعقد في السفارة الأميركية في روما، وأن المرحلة المقبلة ستكشف طبيعة التفاهمات التي يمكن الوصول إليها.


وعن الانتقال من واشنطن إلى روما، رأى أن هذا التحول يجب وضعه ضمن سياقين أساسيين: السياق الأول يتعلق بمسار النقاش الأمني، إذ إن الملف انتقل من واشنطن إلى روما، وقد يمتد لاحقا إلى بحث أوسع حول الترتيبات الأمنية، مشيرا إلى أن بعض الأطراف الإسرائيلية كانت تفضل أن تحصل هذه النقاشات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، إلا أن اختيار إطار مختلف يعكس طبيعة المرحلة الحالية.


أما السياق الثاني فيرتبط باختيار إيطاليا، حيث أوضح رابل أن إيطاليا وفرنسا تقومان بنقاشات مرتبطة بالمرحلة التي ستلي انتهاء مهمة اليونيفيل، واحتمال تشكيل قوة أو صيغة دعم تساعد الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة. وقال: هذا الطرح يأتي أيضا ضمن مسعى أميركي لاستكشاف مواقف الأطراف ومعرفة مدى استعدادها للتعامل مع ترتيبات أمنية مستقبلية، معتبرا أن الأمر يحمل جانبا استخباراتيا أيضا، أي أنه بمثابة جس نبض لمواقف مختلف الجهات.


ولفت إلى أن هذه هي الخلفية التي تفسر انعقاد اجتماع روما، مشددا على أن المهم في هذه المرحلة هو الحفاظ على مسار التفاوض، كما حصل في ملفات إقليمية أخرى، حيث لم تقتصر اللقاءات على مكان واحد، بل حصلت عبر محطات عدة.


وقال رابل إن اختيار روما يعود أيضا إلى موقعها القريب نسبيا من لبنان وإسرائيل، إضافة إلى أن انعقاد اللقاء في السفارة الأميركية يمنحه إطارا واضحا من الرعاية والضمانة الأميركية.


في النهاية، تبقى جولة روما محطة اختبار حقيقية لقدرة الأطراف على نقل التفاهمات من الورق إلى التنفيذ، وسط رهان أميركي على تحقيق تقدم، فيما تبقى الملفات الأكثر حساسية، من آلية التنفيذ إلى سلاح حزب الله وترسيم الحدود، مرتبطة بما ستكشفه طاولة المفاوضات.