لا تزال مواقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي والنائب السابق وليد جنبلاط الأخيرة من اتفاق الإطار وطريقة إدارة الملف تتفاعل سياسيا، بعدما وجه انتقادات حادة للدولة وللفريق المفاوض، في مواقف أثارت نقاشا واسعا، خصوصا وأن جنبلاط كان من أوائل المرحبين بتعيين سيمون كرم رئيسا للوفد المفاوض وبانطلاق هذا المسار.
مواقف أعادت فتح النقاش حول قراءة جنبلاط للمرحلة الحالية، وخلفيات انتقاداته لمسار كان قد أبدى دعما له في بداياته، في ظل شخصية سياسية لطالما ارتبط اسمها بالقدرة على إعادة قراءة المتغيرات والتحرك وفقها. فما خلفيات هذه المواقف، وكيف تقرأ في ظل موقع جنبلاط داخل المعادلة السياسية والطائفة الدرزية؟
في هذا الإطار، اعتبرت منسقة "تجمع دولة لبنان الكبير" الأميرة حياة إرسلان رئيسة أن مواقف وليد جنبلاط الأخيرة يصعب تفسيرها، مشيرة إلى أن توصيفه اتفاق الإطار بأنه "أحادي الجانب" يطرح علامات استفهام، خصوصا وأن الاتفاق قائم بين ثلاثة أطراف هي لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل. وقالت إن تفسير هذا الموقف ليس سهلا، لأن كثيرين لا يستطيعون فهم أسباب انتقال جنبلاط من موقف إلى آخر، معتبرة أن مواقفه تحمل في داخلها تناقضات وقابلة للتغيير السريع، مع التأكيد على أن من حقه اتخاذ المواقف التي يريدها، كما أن للطائفة الدرزية الحق في خياراتها ومواقفها.
وأكدت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الطائفة الدرزية، وفق ما تراه على الأرض ووفق الاستطلاعات التي تحصل، تميل إلى خيار الدولة وإتمام مسار التفاوض بهدف الوصول إلى سلام دائم، مشيرة إلى أن مواقف جنبلاط لا يمكن فصلها عن واقع سياسي أوسع. واعتبر أن المشكلة تشمل عددا كبيرا من السياسيين الذين لم يحسنوا قراءة التطورات، وإلا لما وصل لبنان إلى هذا الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الصعب.
ولفتت إرسلان، في هذا السياق، إلى أن السياسيين الذين تعاقبوا على السلطة لعشرات السنوات لم يقدموا قراءة صحيحة لمصلحة البلد، معتبرة أن المطلوب اليوم هو النظر إلى مصالح لبنان وليس إلى المصالح الخاصة. وقالت إن ما يعنيها هو مدى صحة هذه القراءات السياسية، لأن كثيرا من المواقف، برأيها، تنطلق من حسابات شخصية وليست من رؤية وطنية.
وفي ما يتعلق بإشادة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا بوليد جنبلاط، اعتبرت أن هذا الكلام لا يمنح أي طرف "نيشانا" أو قيمة إضافية، بل ترى فيه إدانة، معتبرة أن حزب الله، بحسب توصيفها، خارج عن القانون وخارج عن الدولة ومؤسساتها. وشددت على أنه لا يجوز إعطاء أي اعتبار سياسي لمن هو خارج إطار الدولة، معتبرة أن الإشادة الصادرة عن حزب الله تجاه أي شخصية سياسية ليست أمرا يفتخر به.
أما عن تأثير مواقف جنبلاط على الطائفة الدرزية، فرفضت إرسلان اعتبار أن بإمكانه أخذ الطائفة إلى أي اتجاه يريده، مؤكدة أن هذا الأمر لم يعد ممكنا. وقالت إن لجنبلاط حضورا تاريخيا، وإن حزبه يمتلك جذورا، لكنها اعتبرت أن شعبيته وتأثيره تراجعا، وأنه لم يعد قادرا على تمثيل كامل الطائفة الدرزية كما في السابق.
ورأت أن الرأي العام داخل الطائفة الدرزية يميل اليوم أكثر إلى خيار الدولة والمؤسسات، وليس إلى الزعامات أو الأحزاب، معتبرة أن أي استفتاء داخل الطائفة سيكشف، بحسب رأيها، حجم التراجع في قدرة جنبلاط على التأثير.
وشددت أرسلان على أن المشكلة في مواقف جنبلاط تكمن في حالة التبدل المستمر في التموضع، معتبرة أن الانتقال بين الخيارات المختلفة وعدم وضوح الاتجاه لا يعطي صاحبه المصداقية ولا يشكل أداء سياسيا سليما. وقالت إن السياسة لا تدار بهذه الطريقة، ووصفت هذا الأسلوب بأنه "نط حبال"، في إشارة منها على أن السياسي يجب أن يعمل لمصلحة البلد لا وفق حسابات مرتبطة بالمستقبل الشخصي أو العائلي.
بالنهاية، يبقى وليد جنبلاط حالة سياسية خاصة في لبنان، بين تاريخ طويل من المناورة وإعادة التموضع، وبين مواقف حالية يحاول من خلالها الحفاظ على موقعه وسط تعقيدات المرحلة، فهو يؤكد عدم انخراطه في أي مسار معارض للتفاوض، فيما تأتي مواقف من الضفة المقابلة تقرأ العلاقة معه بطريقة مختلفة، ليبقى موقع جنبلاط وخياراته موضع نقاش.