July 09, 2026   Beirut  °C
سياسة

القاضي بيتر جرمانوس: النفوذ الإيراني يقترب من نهايته.. والاهتمام ينتقل إلى لبنان والعراق

لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة، بمشاركة قادة الدول الـ 32 الأعضاء في الحلف، حدثا بروتوكوليا عاديا، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واستراتيجية فتحت الباب أمام جملة من التساؤلات، وفي مقدمها أسباب اختيار أنقرة مقرا لانعقادها في هذا التوقيت الحساس.

وجاءت القمة في ظل ضغوط متزايدة يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الدول الأعضاء لتحمل قسط أكبر من مسؤولياتها العسكرية، لا سيما في ما يتعلق بالتعامل مع إيران والتطورات المتسارعة في مضيق هرمز.

وزاد من أهمية القمة توجيه دعوة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة مفاجئة، تزامنا مع التحضير للقاء مرتقب يجمعه بترامب على هامش أعمالها، في ثالث اجتماع بين الرجلين.


وفي قراءته لانعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، رأى القاضي بيتر جرمانوس أن أهمية الحدث لا تكمن في توقيته بقدر ما تكمن في مكان انعقاده، موضحا أن اختيار العاصمة التركية يحمل دلالات سياسية واستراتيجية كبيرة في ظل التوترات القائمة في المنطقة.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن العلاقات التركية - اليونانية تشهد منذ فترة توترات على خلفية النزاع حول الحدود البحرية وملف الغاز في شرق البحر المتوسط، مذكرا بأن تركيا كانت قد أبدت سابقا اعتراضها على اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية في المنطقة، بما فيها الاتفاقات التي شملت لبنان وقبرص وإسرائيل. وقال إن التوتر لا يقتصر على اليونان، بل يمتد أيضا إلى العلاقات التركية - الإسرائيلية.


وأكد جرمانوس أن انعقاد القمة في أنقرة، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيا إلى جانب قادة الدول الأعضاء على مستوى رؤساء الدول، يشكل تأكيدا واضحا على أهمية الدور التركي في المنطقة والعالم، معتبرا أنه لم يعد بالإمكان مقاربة أي ملف سياسي في الشرق الأوسط، لا سيما في لبنان، من دون أخذ الدور التركي في الاعتبار.


وانتقل إلى التطورات الإيرانية، مشيرا إلى أن الاعتداء الذي تعرض له عدد من المسؤولين السياسيين خلال تشييع المرشد السابق علي خامنئي في طهران، ومن بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يرجح وقوف عناصر من الحرس الثوري وراءه، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، أن الطبقة السياسية الإيرانية لم تعد صاحبة القرار الفعلي أمام نفوذ الحرس الثوري، الذي يضم أجنحة متعددة ومتشددة تتحرك باستقلالية نسبية، الأمر الذي يجعل طبيعة القرار داخل إيران أكثر تعقيدا.


واعتبر جرمانوس أن توقيت الهجوم الإيراني في مضيق هرمز قد يكون استند إلى تقدير بأن وجود الرئيس الأميركي في أنقرة سيحد من قدرة الولايات المتحدة على الرد، إلا أن الوقائع أثبتت، بحسب قوله، إن واشنطن قادرة على خوض مواجهة مع إيران حتى في ظل وجود رئيسها خارج الأراضي الأميركية. وشدد على أن طبيعة الأهداف التي تعرضت للهجوم كانت من شأنها، لو تطورت الأمور، أن تدفع حلف شمال الأطلسي بأكمله إلى الانخراط في مواجهة مع إيران، بحيث لا تبقى المسألة محصورة بإسرائيل والولايات المتحدة فقط، بل تتحول إلى قضية تخص الحلف بأسره.


وفي ما يتعلق بالمشهد الإقليمي، رجح أن النفوذ الإيراني في المنطقة بات يقترب من نهايته، معتبرا أن ما تبقى منه أصبح رمزيا إلى حد كبير، على الرغم من استمرار وجود قوى لا تزال متأثرة به. وقال إن مستقبل سوريا ولبنان بات مرتبطا بمدى قدرة تركيا وإسرائيل على التوصل إلى تفاهمات في ما بينهما.


وردا على سؤال حول دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى حضور قمة الناتو، والحديث عن لقاء مرتقب يجمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، اعتبر جرمانوس أن هذه الدعوة تؤكد أمرين أساسيين: أولهما اجتثاث النفوذ الإيراني ومحوره من سوريا، وثانيهما انتقال الاهتمام إلى ملفي لبنان والعراق، موضحا أن ذلك ينعكس في لبنان من خلال ضبط الحدود والتعامل مع سلاح حزب الله، وفي العراق عبر الحد من قدرة الحشد الشعبي على التأثير في الأمن السوري.


وأكد أن سوريا أصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ من السياسة الأميركية في المنطقة، معتبرا أن دمشق وأنقرة تشكلان حاليا أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.


وحول ما إذا كانت قمة أنقرة ستساعد الرئيس الأميركي على زيادة الضغوط على دول حلف شمال الأطلسي لتحمل مسؤولياتها العسكرية، لا سيما في مواجهة إيران، رأى جرمانوس أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى الحلف من الناحية العسكرية بقدر حاجتها إليه سياسيا، مشيرا إلى أن الرئيس ترامب كان قد انتقد مرارا خلال المواجهة مع إيران الموقف الأوروبي. واعتبر أن أوروبا منشغلة بحرب أوكرانيا، إلا أنه لا يعتقد أن واشنطن ستتمكن من فرض زيادة الإنفاق العسكري على الدول الأوروبية، لافتا إلى أن الرسالة الأميركية تقوم على أن تتولى أوروبا مسؤولية تسليح نفسها بدلا من الاعتماد على الولايات المتحدة.


وقال إن العالم يشهد سباقا متصاعدا نحو التسلح، مشيرا إلى أن عديد الجيش الروسي بلغ نحو 4 ملايين عسكري، وأن الولايات المتحدة تطالب أيضا المملكة العربية السعودية بتعزيز قدراتها العسكرية، كما تحث الدول الأوروبية على السير في الاتجاه نفسه.


وأوضح جرمانوس أن إشادة ترامب المستمرة بتركيا تعود إلى امتلاكها قدرات عسكرية كبيرة، مشيرا إلى أن موافقته على بيع مقاتلات "إف-35" لأنقرة تحمل رسالة واضحة إلى كل من اليونان وإسرائيل، مفادها أن تركيا باتت تحتل لدى الولايات المتحدة موقعا استراتيجيا يوازي في أهميته موقع هاتين الدولتين.


وعليه، تعكس قمة "الناتو" في أنقرة تحولا متسارعا في طبيعة الأدوار والتحالفات داخل المنطقة، حيث باتت تركيا لاعبا محوريا في الحسابات الأميركية والغربية. وبينما تسعى واشنطن إلى إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف، تبدو الرسائل السياسية والعسكرية التي حملتها القمة مؤشرا إلى مرحلة مختلفة عنوانها إعادة رسم موازين القوى وتحديد مواقع النفوذ في الشرق الأوسط.