July 07, 2026   Beirut  °C
سياسة

راغدة درغام: تصريح قاليباف يثير الشكوك.. والرهان على حكمة بري لإنقاذ لبنان

أثار تصريح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بأن حزب الله دخل الحرب الأخيرة بقرار مستقل، صدمة في الأوساط اللبنانية، لا سيما لدى القوى السيادية، إذ يتعارض هذا الكلام مع ما هو معروف عن الارتباط العضوي والعقائدي الوثيق بين الحزب وإيران، وأن الحزب لا يتخذ أي موقف أو قرار، كبيرا كان أم صغيرا، من دون العودة إلى طهران.

ويفتح تصريح قاليباف الباب أمام جملة من التأويلات حول الدوافع التي تقف خلف إطلاقه في هذا التوقيت، لاسيما وأنه جاء بعد توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران، وبالتزامن مع اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل.

كما لفت تكرار قاليباف التأكيد على قرار إنهاء الحرب في مختلف الجبهات وفقا للتفاهم الأميركي - الإيراني، وهو ما يعزز الانطباع بأن طهران لا تزال متمسكة بربط الساحة اللبنانية بقرارها، وبالحفاظ على تأثيرها المباشر في مسار التطورات فيها.


وتعليقا على تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، التي قال فيها إن حزب الله دخل الحرب الأخيرة بقرار مستقل، رأت الرئيسة التنفيذية لـ "مؤسسة بيروت" الصحافية راغدة درغام أن هذا الكلام يثير الكثير من علامات الاستفهام، مؤكدة أن قاليباف يعرف تماما ما يقول، ولا بد أن يكون لديه سبب لإطلاق هذا الموقف في هذا التوقيت.


وقالت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن غالبية المراقبين يصعب عليهم تصديق أن حزب الله يتصرف بمعزل عن علم إيران، لا سيما وأن الحزب يؤكد بصورة متكررة ولاءه للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا يخفي طبيعة العلاقة العضوية التي تربطه بها. أضافت إنها لا تملك معلومات بشأن الكيفية التي اتخذ بها الحزب قرار الدخول في الحرب، إلا أن من الطبيعي التشكيك في الرواية التي قدمها قاليباف.


وتساءلت درغام عما إذا كان تصريح قاليباف يشكل تمهيدا لإعادة صياغة العلاقة مع حزب الله، أو حتى مقدمة لتضحية إيرانية بالحزب إذا اضطرت طهران إلى إبرام الصفقة التي تحتاج إليها مع الولايات المتحدة الأميركية، معتبرة أن أي تفاهم من هذا النوع ستكون له أبعاد مالية واستراتيجية، سواء لجهة مضيق هرمز أو لجهة إنهاء الحرب بصورة نهائية. وأشارت إلى أن بعض الأوساط الإيرانية، وليس جميعها، قد تكون بدأت تفكر في إعادة النظر بطبيعة العلاقة مع حزب الله، إذا اقتضت مصلحة إيران ذلك.


وأكدت أن المفاوضات الأميركية - الإيرانية تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة إلى طهران، لأنها تمثل فرصة لإنقاذها من أزمتها الاقتصادية الخانقة، لافتة إلى أن المسألة لم تعد مالية فحسب، بل أصبحت قضية وجودية بالنسبة إلى النظام الإيراني. وأوضحت أن أي تشديد للحصار البحري على الموانئ الإيرانية ستكون له كلفة اقتصادية باهظة، ليس فقط على الحرس الثوري الإيراني الذي يمول حزب الله، وإنما أيضا على الداخل الإيراني، الذي قد يجد نفسه أمام ظروف تدفعه إلى الانتفاض على النظام، وهو الاحتمال الذي تحدث عنه كثيرون منذ سنوات.


وفي ما يتعلق بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية، أشارت درغام إلى أنها مؤجلة حاليا إلى ما بعد استحقاق تشييع المرشد السابق علي خامنئي، لافتة إلى أن الأنظار تتجه إلى المرحلة المقبلة وما قد تحمله من تطورات داخلية في إيران، لا سيما في ما يتعلق بغياب نجله مجتبى. وقالت إن المؤسسات الأميركية السياسية والعسكرية والاستخبارية تراقب عن كثب مجريات الأحداث والتحولات داخل إيران، في انتظار اتضاح مسار المرحلة المقبلة.


وردا على سؤال بشأن تكرار قاليباف التأكيد أن الحرب ستتوقف في كل الجبهات، بما يوحي بأن الملف اللبناني لا يزال مرتبطا بالقرار الإيراني، قالت إن هذا الموقف يعكس السياسة الإيرانية المعروفة، والتي تعتبر أن الساحة اللبنانية جزء من حساباتها الإقليمية، موضحة أن المسألة تتوقف على مدى جدية الولايات المتحدة في الفصل بين الملف اللبناني والمفاوضات الإيرانية – الأميركية. واعتبرت أنه إذا كانت واشنطن حريصة فعلا على هذا الفصل، فإنها ستواصل دعم المفاوضات القائمة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، والتي يتمثل هدفها، من وجهة النظر اللبنانية، في ترسيم الحدود، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، وليس التطبيع مع إسرائيل أو تقديم أي تنازلات لها، بل إلزامها بالانسحاب عبر المفاوضات التي تقودها الدولة اللبنانية.


وقالت درغام إن نجاح هذا المسار يتطلب تنفيذ قرار الدولة بحصرية السلاح وتسليم حزب الله سلاحه إلى الدولة اللبنانية، وهو ما لا يزال مرفوضا من الحزب ومن إيران حتى الآن، معتبرة أن تصريحات قاليباف تندرج في إطار استمرار التدخل الإيراني في الشأن اللبناني، سواء من خلال ربط مسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، أو من خلال مواقف سابقة رأت فيها إهانة متعمدة لرئاسة الجمهورية والدولة اللبنانية، وعدم احترام للشعب اللبناني.


وشددت على أن هناك موقفا إيرانيا متشددا يسعى إلى تعطيل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، محذرة، في الوقت نفسه، من محاولات بعض دوائر القرار في طهران الضغط على القيادات الشيعية في لبنان لدفعها إلى التعامل مع الجيش اللبناني بصورة منفصلة عن قرار الدولة.


وأملت درغام في أن يكون هذا التقدير غير دقيق، مؤكدة ثقتها بالقيادات الشيعية ذات المرجعية الحكومية، وبحكمة رئيس مجلس النواب نبيه بري. وتمنت أن يواصل، كما فعل في مراحل سابقة، تقديم مصلحة لبنان على أي اعتبارات أخرى، في مقابل ما وصفته بسياسة حزب الله القائمة على تقديم الولاء لإيران على حساب الدولة اللبنانية.


وتبقى تصريحات قاليباف، في ظل ما هو معروف عن طبيعة العلاقة الوثيقة بين إيران وحزب الله، مثار تساؤلات حول خلفياتها وتوقيتها، لا سيما وأنها تتعارض مع القناعة السائدة بأن القرارات المصيرية للحزب لا تنفصل عن القرار الإيراني، الأمر الذي يفتح الباب أمام تأويلات عدة بشأن الرسائل السياسية التي أرادت طهران توجيهها من خلالها.