July 04, 2026   Beirut  °C
سياسة

تعليقا على زيارة الشيباني الصيفي ومعراب.. جو سلوم: المسيحيون ركيزة لحماية وجودهم الحر في الشرق

استحوذت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى كل من بكركي والصيفي ومعراب على اهتمام الأوساط السياسية، إذ قرئت على نطاق واسع بوصفها رسالة طمأنة مباشرة من الإدارة السورية الجديدة إلى المكون المسيحي في لبنان، وإشارة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية - السورية، تقوم على احترام سيادة البلدين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما. كما اعتبرها البعض تعبيرا عن تقدير للمواقف التي اتخذتها قوى سياسية مسيحية دعما للشعب السوري منذ اندلاع الثورة، في ظل إرث ثقيل خلفه نظاما حافظ الأسد وبشار الأسد في الذاكرة المسيحية اللبنانية، لا سيما في مناطق لا تزال تستحضر ما شهدته من أحداث أليمة، من بينها زحلة والأشرفية وسواهما.

ففي بكركي، أشاد الشيباني، عقب لقائه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالدور الذي يؤديه المسيحيون في لبنان وسوريا. أما في الصيفي ومعراب، فقد ساد الود لقاءيه مع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، حيث جدد التأكيد أن سوريا فتحت صفحة جديدة مع لبنان، عنوانها احترام سيادته واستقلاله، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، وإرساء علاقة بين البلدين تقوم على الندية والاحترام المتبادل والتعاون بما يخدم مصالح الشعبين.


وعن أبعاد زيارة الوزير الشيباني إلى مقري حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، وما تحمله من رسائل سياسية وانعكاسات محتملة على مستقبل العلاقات بين بيروت ودمشق، أكد نقيب صيادلة لبنان السابق وعضو المكتب السياسي في حزب الكتائب الدكتور جو سلوم أن الزيارات تحمل دلالات سياسية ووطنية مهمة، تعكس تحولا في طبيعة العلاقات بين لبنان وسوريا، وتؤسس لمرحلة جديدة قائمة على احترام سيادة الدولتين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي منهما، موضحا أن العلاقة بين النظام السوري السابق والأحزاب المسيحية المعارضة، لا سيما حزب الكتائب، كانت محكومة بتاريخ طويل من الخلاف، نتيجة تدخل النظام السوري في الشأن اللبناني وسياساته التي سعت إلى فرض الوصاية على لبنان واعتباره جزءا من سوريا، إضافة إلى الاحتلال السوري الذي ترك آثارا عميقة في الذاكرة الوطنية اللبنانية وفي ذاكرة الأحزاب التي واجهت هذا النهج.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن التغيير الذي شهدته سوريا، مع تبدل النظام واعتماد مقاربة مختلفة، يجعل من زيارة الوزير الشيباني رسالة واضحة تؤكد احترام سيادة لبنان وفتح صفحة جديدة مع الدولة اللبنانية، كما تشكل رسالة طمأنة إلى القوى السياسية التي عارضت سابقا التدخل السوري في لبنان.


وردا على سؤال حول ما إذا كانت الزيارة تشكل أيضا رسالة تقدير للأحزاب المسيحية، لا سيما حزب الكتائب والقوات اللبنانية، التي وقفت إلى جانب الشعب السوري منذ اندلاع الثورة، شدد سلوم على أن الأهم اليوم هو وضع العلاقات بين البلدين ضمن إطار احترام سيادة كل منهما وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. وقال إن الأحزاب المسيحية ذات التوجه السيادي لم يكن هدفها يوما التدخل في الشأن السوري، بل كانت تطالب بقيام دولة سورية تحترم سيادة لبنان، ولا تتدخل في شؤونه، ولا تدعم أي فريق لبناني على حساب آخر بما يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية، مضيفا إن لبنان، كما يرفض التدخل في الشؤون الداخلية السورية، يرفض أيضا أي تدخل سوري في شؤونه أو أي محاولة لإعادة إنتاج نفوذ سياسي عبر أطراف لبنانيين.


ورأى أن المواقف التي أعلنها الوزير الشيباني، والتي شدد فيها على أن لبنان وسوريا دولتان مستقلتان وأن العلاقات بينهما يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل والسيادة، تنسجم مع ما سبق أن أكده الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. وقال إن هذا التوجه سبق أن تجسد أيضا في الاتصال الأول الذي قام به رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل بالرئيس أحمد الشرع، حيث أكدا على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ورفض أي وجود عسكري سوري أو أي قوة غير لبنانية على الأراضي اللبنانية، باعتبار أن حماية سيادة الدولة تشكل أولوية وطنية.


وفي ما يتعلق باللجنة المشتركة التي وُقع عليها في السراي الحكومي، أوضح سلوم أن تطوير العلاقات بين لبنان وسوريا يجب أن يكون ضمن إطار الدولة والمؤسسات الرسمية، مشيرا إلى أن سوريا تشكل بوابة لبنان الطبيعية نحو دول الخليج، وأن تعزيز التبادل التجاري والاقتصادي والسياحي بين البلدين يصب في مصلحة الشعبين، مؤكدا أن حزب الكتائب يطمح إلى أفضل العلاقات مع سوريا، شرط أن تقوم هذه العلاقات على ثوابت واضحة، أبرزها احترام سيادة البلدين وعدم التدخل في شؤونهما الداخلية. واعتبر أن أي علاقات أو قنوات تتجاوز الدولة أو تمس بسيادة لبنان تبقى مرفوضة، في حين أن كل تعاون رسمي يعزز الاقتصاد والتبادل التجاري والسياحي ويخدم وحدة لبنان وازدهاره هو موضع ترحيب.


وعن أوضاع المسيحيين في سوريا، أشار إلى أن ما أعلنه الوزير الشيباني بشأن الدور التاريخي للمسيحيين في لبنان وسوريا يحظى بأهمية خاصة، مؤكدا أن أقصى ما يتمناه اللبنانيون هو أن تكون سوريا دولة ديمقراطية تعددية تحمي الحريات العامة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع الطوائف من دون تمييز.


وأوضح سلوم أن استقرار سوريا ينعكس مباشرة على لبنان، نظرا إلى الترابط الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي بين البلدين، لافتا إلى أن لبنان لا يزال يتحمل أعباء النزوح السوري، وأن أي استقرار سياسي واقتصادي في سوريا سيسهم في معالجة هذه الأزمة، كما سيفتح المجال أمام عودة النشاط الاقتصادي والاستثماري الذي كان يشارك فيه العديد من اللبنانيين.


وأشار إلى أن لبنان يتميز بصيغته التعددية ورسالة العيش المشترك، وأن للمسيحيين اللبنانيين دورا يتجاوز الإطار المحلي، إذ يشكلون ركيزة أساسية في حماية الوجود المسيحي الحر في الشرق، انطلاقا من تجربة لبنان القائمة على الشراكة بين المسلمين والمسيحيين والحوار بين مختلف المكونات، مؤكدا أن الضمانة الحقيقية لأي تطمينات تبقى في الممارسة العملية وليس في التصريحات فقط. وأمل في أن تنعم سوريا بمزيد من الاستقرار والحريات، لما لذلك من انعكاسات إيجابية مباشرة على لبنان، الذي لا يمكن عزله عن محيطه، لا سيما عن سوريا باعتبارها الجار الأقرب والأكثر تأثيرا.


وفي ضوء ذلك، تبدو زيارة الوزير السوري أسعد الشيباني إلى المرجعيات المسيحية في لبنان أكثر من مجرد محطة بروتوكولية، إذ حملت في طياتها رسائل سياسية واضحة تؤشر إلى مقاربة سورية جديدة قوامها احترام سيادة لبنان وطي صفحات الماضي. ويبقى نجاح هذه المقاربة رهنا بترجمتها إلى خطوات عملية تعزز الثقة المتبادلة وتؤسس لعلاقات طبيعية ومستقرة بين البلدين.