July 03, 2026   Beirut  °C
سياسة

داود رمال: مواقف الرئيس عون ترسخ الاستقرار وتكرس سيادة الدولة

وجه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في أحدث مواقفه العلنية، رسالة واضحة إلى المسؤولين والرأي العام في الداخل والخارج، عربيًا ودوليًا، مفادها أن فرصة ترسيخ السلام والاستقرار في لبنان يجب ألا تضيع، وأن الحفاظ على السلم الأهلي يشكل أولوية وطنية لا تحتمل المساومة.

وأكد رئيس الجمهورية أن لبنان بلد ديمقراطي يكفل حرية التعبير وحرية الرأي، إلا أن ممارستهما تبقى محكومة بالمصلحة الوطنية العليا، والحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم، وصون حقهم في العيش بحرية وكرامة. وشدد على أن السلم الأهلي ضرورة وطنية، وأن الفتنة خط أحمر لن يسمح بتجاوزه، مجددًا التزامه المضي في معركة تثبيت السلام واستعادة الدولة حتى تحقيق أهدافها.


وتأخذ مواقف الرئيس عون، التي كرر التأكيد عليها خلال المرحلة الماضية، طريقها إلى التنفيذ، ولا سيما في ما يتعلق بمنع أي محاولة لجرّ البلاد إلى الفوضى أو الاقتتال الداخلي. وقد تجلى ذلك في الأداء الحازم للجيش اللبناني، الذي نجح في ضبط الأوضاع ومنع انزلاقها إلى مواجهات خلال الاحتجاجات التي نفذها مناصرون لحزب الله اعتراضًا على الترتيبات المرتبطة بصيغة اتفاق الإطار وآليات تنفيذ وقف إطلاق النار، بما أسهم في الحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلت أمني.


وفي قراءة لمواقف الرئيس عون، رأى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور داود رمال أن الرسائل التي وجهها فخامة الرئيس تعكس توجهًا سياسيًا واضحًا يقوم على حماية السلم الأهلي، ومنع أي محاولة لجرّ لبنان إلى الفتنة، بالتوازي مع استكمال مسار بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وترسيخ الاستقرار الداخلي باعتباره المدخل الأساسي لاستعادة الدولة وتعزيز ثقة المجتمعين العربي والدولي بلبنان.


وأوضح، في حديث عبر منصة "بالعربي"، أن هناك إجماعًا لبنانيًا على رفض الفتنة الداخلية، مشيرًا إلى أن أي فتنة تستوجب وجود طرفين أو أكثر، وهو ما لا يتوافر في الواقع اللبناني الحالي، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإثارة الفتنة أو التلويح بها محكومة بالفشل.


وأكد أن أي جهة قد تسعى إلى إشعال فتنة داخلية ستكون عمليًا في مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، لافتًا إلى أن أي صدام مع الجيش ستكون نتيجته محسومة سلفًا لمصلحة المؤسسة العسكرية، فيما سيتكبد الطرف الذي يختار هذا المسار خسائر وطنية وعربية ودولية، نظرًا إلى الإجماع الداخلي والخارجي على دعم استقرار لبنان ومؤسساته الشرعية.


وأشار إلى أن هذا التقاطع الوطني الرافض للفتنة ينسجم مع المواقف التي أعلنها رئيس الجمهورية جوزاف عون، مشيدًا كذلك بموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا الإطار، باعتباره يعزز مناخ التهدئة ويحافظ على الاستقرار الداخلي.


ورأى رمال أن بعض الخطابات والمواقف السياسية قد تحمل في طياتها رسالة نصح وتحذير في آن واحد، لأن خلق أجواء سياسية داخلية متوترة، وإعادة إنتاج الانقسام العمودي بين اللبنانيين، يوفران بيئة ملائمة للأطراف المعادية للبنان ولمسيرة استعادة الدولة وترسيخ الاستقرار، مضيفًا أن مثل هذه الأجواء قد تفتح المجال أمام ما يُعرف بالطوابير الخامسة والسادسة للتدخل وإحداث توترات أمنية بأشكال مختلفة، مستذكرًا ما شهده لبنان منذ عام 2005، بدءًا من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما أعقب ذلك من سلسلة اغتيالات استهدفت شخصيات وطنية ووزارية ونيابية وسياسية.


وشدد على أن التحذير يهدف إلى منع توفير الظروف المؤاتية أمام أعداء لبنان للتسلل إلى الداخل والانقضاض على الوضع الداخلي، داعيًا جميع القوى السياسية إلى التحلي بأعلى درجات المسؤولية الوطنية، وتجنب الخطابات التي تؤدي إلى زيادة الاحتقان.


وفي ما يتعلق بما يتم تداوله بشأن صيغة الإطار، أوضح رمال أن الوصف القانوني الدقيق ليس "اتفاق إطار"، وإنما "صيغة اتفاق إطار"، وهي صيغة تتضمن آليات تنفيذية واضحة تتمثل في الملحقين العسكري والأمني، لافتًا إلى أن اليد الطولى في تنفيذ هذه الآليات تعود إلى الجيش اللبناني، الذي يحدد طبيعة الإجراءات الميدانية وكيفية تنفيذها على الأرض، ضمن آلية تحقق تشرف عليها الولايات المتحدة الأميركية.


واعتبر أن صيغة اتفاق الإطار تمثل أفضل الممكن في ضوء الظروف الميدانية والعسكرية التي كانت قائمة، موضحًا أن هدفها الأساسي يتمثل في إزالة الاحتلال الإسرائيلي عن آخر شبر من الأراضي اللبنانية المحتلة، مشيرًا إلى أن هذه الصيغة لم ترتقِ إلى مستوى الاتفاق الكامل الذي يستوجب عرضه على مجلس الوزراء للموافقة عليه، أو إحالته لاحقًا إلى مجلس النواب لاستكمال الإجراءات الدستورية اللازمة.


ورفض رمال استخدام الجيش اللبناني كوسيلة لتوجيه مواقف سياسية تصعيدية أو عنيفة تجاه الأطراف الداخلية، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى بمنأى عن التجاذبات السياسية، مؤكدًا أن الإجماع القائم على الدفاع عن قائد الجيش وقيادة الجيش والمؤسسة العسكرية يشكل دليلًا واضحًا على الثقة الوطنية بما يقوم به الجيش، سواء من خلال الوفد العسكري الموجود في واشنطن، أو عبر الخطوات التي سيباشر تنفيذها قريبًا في المناطق التجريبية، والتي تشمل الانتشار، ونزع السلاح، وإنهاء المظاهر المسلحة.


وأضاف أن هذه الإجراءات تحظى بترحيب وتأييد مختلف القوى اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله، الذي يقود، بحسب تعبيره، حملة دفاع عن قائد الجيش وقيادة الجيش والجيش اللبناني.


وأشار رمال إلى أن هذا المعطى يشكل مؤشرًا إيجابيًا على أن حزب الله لن يقف عائقًا أمام قيام الجيش اللبناني بمهامه، تنفيذًا لقرارات السلطة السياسية الهادفة إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ولا سيما في منطقة جنوب الليطاني، من خلال نزع السلاح، وإنهاء المظاهر المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يجعل قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة اللبنانية.


وهكذا، يبدو أن ما تضمنه خطاب القسم بدأ يشق طريقه إلى التنفيذ تدريجيًا، من خلال الخطوات التي يقودها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام، وبالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، في إطار مقاربة تستهدف إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها.


وفي موازاة ذلك، يترقب اللبنانيون أن تستعيد الدولة كامل صلاحياتها السيادية، بحيث تصبح صاحبة القرار الأول والأخير في قضايا السلم والحرب، باعتبار أن احتكار القرار السيادي يشكل الركيزة الأساسية لقيام الدولة واستقرارها. أما الفتنة الداخلية، فعلى الرغم من التهديدات المتكررة بإحيائها، فإنها تبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى عن الواقع اللبناني، في ظل غياب المقومات الداخلية التي يمكن أن تؤسس لها، وتوافر إرادة سياسية ووطنية جامعة ترفض الانجرار إلى أي صدام داخلي، وتتمسك بالسلم الأهلي باعتباره المدخل الإلزامي لحماية لبنان واستكمال مسيرة استعادة الدولة.