July 01, 2026   Beirut  °C
سياسة

ظافر ناصر: لا بديل عن اتفاقية الهدنة... و"اتفاق الإطار" غير دستوري

ما إن أُعلن في واشنطن عن توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، حتى سارعت قوى سياسية لبنانية إلى إعلان رفضها القاطع لمضمونه وبنوده. فإلى جانب موقف حزب الله المعروف سلفًا من الاتفاق، وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري الاتفاق بأنه "أسوأ من اتفاق 17 أيار".

إلا أن الموقف الأبرز تمثل في إعلان الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، رفضه الاتفاق، في موقف بدا متقاطعًا مع موقف بري المعارض له.


فما الأسباب التي دفعت جنبلاط إلى إعلان هذا الرفض؟ وهل يشكل استمرار مشاركة الوزراء المحسوبين على الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل في الحكومة تعبيرًا عن موافقة ضمنية على الاتفاق؟


وفي معرض توضيحه الموقف الرسمي للحزب التقدمي الاشتراكي من اتفاق الإطار، أكد أمين السر العام في الحزب، ظافر ناصر، أن اعتراض حزبه على الاتفاق المطروح لا ينطلق من موقف سياسي ظرفي أو من رفض لمبدأ التفاوض، وإنما يستند إلى اعتبارات دستورية ووطنية ومبدئية، مشددًا على أن مصلحة لبنان تبقى الأولوية، وأن أي مقاربة لهذا الملف يجب أن تراعي الدستور والمرجعيات الوطنية الجامعة.


وقال، عبر منصة "بالعربي"، إن الحزب لا يعترض على التفاوض بحد ذاته، بل سبق أن أعلن أكثر من مرة تأييده أن تتولى الدولة اللبنانية إدارة أي عملية تفاوض تتعلق بمصالحها الوطنية، إلا أن الاتفاق المطروح يفتقد، بحسب رأيه، إلى المرجعية الدستورية المطلوبة، ولا ينسجم مع أحكام الدستور اللبناني ولا مع المرتكزات التي أرساها اتفاق الطائف، موضحًا أن اتفاق الطائف لا ينظم فقط النظام السياسي والعلاقات بين المؤسسات، بل يشكل أيضًا المرجعية التي ترعى الخيارات الوطنية الكبرى للبنان، ولا سيما في ما يتعلق باتفاقية الهدنة، التي تنظم العلاقة مع إسرائيل، وهي خيار وطني كبير كان يفترض أن يسلك مساره الدستوري والسياسي.


وأضاف أن مثل هذه الخيارات تحتاج إلى إجماع وطني واسع، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الانقسام الداخلي حول الملفات الكبرى أدى إلى نتائج خطيرة دفعت البلاد أثمانها على مختلف المستويات، داعيًا إلى عدم تكرار الأخطاء نفسها.


وأشار ناصر إلى أن من بين الملاحظات الأساسية على الاتفاق أنه لم يتحدث صراحة عن انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وإنما استخدم تعبير "إعادة الانتشار" أو "إعادة التموضع"، معتبرًا أن هناك فارقًا جوهريًا بين المصطلحين، لأن المطلوب هو انسحاب كامل وواضح للاحتلال الإسرائيلي، وليس مجرد إعادة تمركز لقواته.


كما لفت إلى أن الاتفاق يتضمن، بحسب قراءته، بنودًا تمنح إسرائيل مكاسب لا يمكن القبول بها في أي مفاوضات، من بينها ما يتعلق بعدم ملاحقتها أمام المحافل الدولية، معتبرًا أن مثل هذه النقاط تمس بحقوق لبنان ومصالحه الوطنية.


وفي المقابل، شدد ناصر على أن موقف الحزب التقدمي لا يتضمن أي تشكيك برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أو برئيس الحكومة نواف سلام، مؤكدًا رفض الحزب المطلق لأي حملات تخوين تستهدف المسؤولين اللبنانيين على خلفية هذا الملف، ومعتبرًا أن الاختلاف السياسي يجب ألا يتحول إلى تشكيك بالوطنية.


وفي معرض حديثه عن الوضع الداخلي، أكد ناصر أن ما وصل إليه لبنان نتيجة حرب الإسناد يتحمل حزب الله المسؤولية الأساسية عنه، مشيرًا إلى أن الحزب مطالب بإجراء مراجعة شاملة لخياراته السياسية والعسكرية. لكنه أوضح، في الوقت نفسه، أن انتقاد حزب الله لا يعني القبول بأي اتفاق مهما كان مضمونه، ولا يعني التخلي عن المعايير الوطنية والدستورية في تقييم أي تسوية.


وأضاف أن اقتناع الحزب التقدمي الاشتراكي بضرورة أن تتولى الدولة اللبنانية وحدها إدارة المفاوضات لا يعني منح موافقة تلقائية على أي اتفاق يصدر عنها، لأن كل اتفاق يجب أن يخضع لقراءة دقيقة تستند إلى المصلحة الوطنية العليا.


وردًا على سؤال حول استمرار الوزراء المحسوبين على الحزب التقدمي الاشتراكي داخل الحكومة رغم اعتراضهم على الاتفاق، أوضح ناصر أن بقاءهم لا يعني إطلاقًا موافقة ضمنية عليه، مشيرًا إلى أن الاتفاق لم يستكمل حتى الآن مساره الدستوري، وبالتالي فإن الحديث عن الموقف النهائي سابق لأوانه.


وأوضح أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يتولى صلاحية التفاوض، إلا أن إقرار أي اتفاق مع دولة أو جهة أخرى يستوجب استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة، معتبرًا أن الصورة لا تزال غير واضحة بشأن الآلية التي ستُعتمد، سواء عبر عرض الاتفاق على مجلس الوزراء للتصويت عليه، أو إحالته لاحقًا إلى مجلس النواب، أو اعتماد مسار دستوري آخر، مؤكدًا أن الحزب التقدمي سيعبر عن موقفه النهائي من خلال المؤسسات الدستورية عندما يستكمل الاتفاق إجراءاته القانونية، لأن احترام الأصول الدستورية يشكل جزءًا أساسيًا من مقاربته لهذا الملف.


وتناول ناصر أيضًا مسألة الوضع في الجنوب، مشيرًا إلى أن إسرائيل تقول إن هدفها ضمان أمن حدودها ومنع أي تهديد من الجانب اللبناني، في وقت يؤكد فيه اللبنانيون ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته الكاملة على الجنوب، معتبرًا أن اتفاقية الهدنة تشكل الإطار الأكثر أمانًا لمعالجة هذه المسائل، إلا أنه شدد، في الوقت نفسه، على رفض أي منطق يقوم على أن تتولى إسرائيل فرض الوقائع الميدانية بحجة معالجة مشكلة عدم استكمال تسليم الدولة مسؤولياتها، مؤكدًا أن معالجة هذه المسائل يجب أن تتم من خلال الدولة اللبنانية، وليس عبر الاحتلال الإسرائيلي.


وأشار إلى أن التصريحات الصادرة بعد الاتفاق عن كبار المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء في حكومته، تؤكد أنهم لا يتحدثون عن انسحاب من الأراضي اللبنانية، بل يعلنون صراحة أن بقاء قواتهم مرتبط بتقديرهم هم لمستوى الخطر، معتبرًا أن ذلك يعني عمليًا تكريس الاحتلال ومنح إسرائيل حق تقرير موعد انسحابها وشروطه، وهو أمر لا يمكن للبنان القبول به.


وأكد أن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع القوى السياسية، وفي مقدمها حزب الله، العمل على إعادة بناء أرضية لبنانية مشتركة تؤدي إلى صياغة رؤية وطنية موحدة لإدارة الصراع مع إسرائيل، بما يحقق هدف الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ويحفظ سيادة الدولة، محذرًا من أن استمرار الانقسام الداخلي سيقود إلى مزيد من التشتت ويضعف الموقف اللبناني في مواجهة التحديات المقبلة.


وعليه، يرى المعترضون على اتفاق الإطار، وفي مقدمهم الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، أن أي اتفاق من هذا النوع يجب أن يمر عبر الأطر الدستورية اللبنانية، وأن يستند إلى توافق وطني واسع، باعتباره ملفًا سياديًا لا يمكن حسمه خارج المرجعيات الدستورية. كما يؤكدون أن حماية حقوق لبنان وسيادته تبقى الأساس في أي مقاربة، مع التشديد على ضرورة اعتماد معالجة موحدة ومؤسساتية لأي تفاوض يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل.