بعد نفي ما تم تداوله عن طلب رئيس الجمهورية جوزاف عون من قائد الجيش العماد رودولف هيكل الاستقالة، بقيت خلفيات انتشار هذه المعلومات وتوقيت طرحها موضع تساؤل، في وقت تتحضر فيه المؤسسة العسكرية لتحمّل مسؤوليات كبيرة مرتبطة بالمرحلة المقبلة والانتشار في الجنوب بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي.
في هذا الإطار، قدم وزير الداخلية السابق مروان شربل قراءةً للتطورات الأخيرة، معتبرًا أن ما يتم تداوله عن وجود خلاف بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل لا يعكس حقيقة العلاقة بين الطرفين، مشددًا على أن قائد الجيش تم اختياره من قبل رئيس الجمهورية، وأن لكل من الطرفين صلاحياته التي لا يتجاوزها.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن أيًا كانت الجهة التي تقف خلف إثارة موضوع طلب استقالة قائد الجيش، أو الأسباب التي دفعت إلى طرحه، فإن ذلك يندرج ضمن محاولات وضع المؤسسة العسكرية في إطار التجاذبات السياسية، مؤكدًا أن الجيش وقائده ليسا مع فريق ضد آخر، بل هما لكل اللبنانيين.
وأكد شربل أن قائد الجيش يعرف متى يتدخل وكيف يتدخل، ويقدّر قدرات المؤسسة العسكرية وإمكاناتها، لافتًا إلى أن الجيش لا يتعاطى بالسياسة ولا يرغب في الدخول في التجاذبات السياسية، بل يتعامل مع القرارات الصادرة عن السلطة السياسية.
وفي ما يتعلق بالدور المنتظر من الجيش في المرحلة المقبلة، أوضح أن المؤسسة العسكرية قادرة على تنفيذ أي خطة تقررها الحكومة، مشددًا على أن انتشار الجيش في أي منطقة يأتي انطلاقًا من قرار حكومي، وأنه مستعد للقيام بمهامه وقادر على ذلك، شرط توافر الظروف المطلوبة، ومنها انسحاب إسرائيل وعدم وجود أي انتشار مسلح لحزب الله في تلك المناطق.
وشدد شربل على أن الجيش يشكل "آخر خرطوشة" لحماية الدولة ومؤسساتها، معتبرًا أن إضعاف الجيش أو الوقوف في وجه الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة يؤدي إلى انهيار ما تبقى من الدولة، مشيرًا إلى أن استمرار الدولة قائم، بشكل أساسي، على وجود مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على القيام بدورها.
وفي ملف تنفيذ أي ترتيبات أمنية مقبلة، لفت شربل إلى أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق السلطة السياسية، التي عليها اتخاذ القرار، فيما يقوم الجيش بتنفيذ ما يُطلب منه، مؤكدًا أن المسألة ليست مرتبطة برغبة الجيش أو رفضه، بل بوجود قرار سياسي واضح.
وفي ما يتعلق بإمكانية اعتراض بعض الأطراف على مهام الجيش، قال شربل إن الاعتراض، إذا حصل، لا يجب أن يكون على المؤسسة العسكرية نفسها، خصوصًا في حال ارتبط الأمر بملف سحب سلاح حزب الله، موضحًا أن هناك فرقًا بين مهمة تنفيذ الترتيبات الأمنية الحالية وبين أي قرار يتعلق بسحب السلاح، الذي يحتاج إلى قرار سياسي من الحكومة.
وكشف أن قائد الجيش عرض، خلال آخر جلسة لمجلس الوزراء، احتياجات المؤسسة العسكرية لتنفيذ مهمة سحب السلاح، مشيرًا إلى أنه في حال تأمين هذه الإمكانات، فإن الجيش قادر على تنفيذ المهمة، على أن تتحمل السلطة السياسية تبعات القرار، باعتبارها الجهة التي اتخذته.
وفي الشق المرتبط باتفاق الإطار والانسحاب الإسرائيلي، رأى شربل أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في التفاهمات، بل في ضرورة وجود جدول واضح للانسحاب، مشددًا على أن إسرائيل لا يجب أن تكون الجهة التي تحدد توقيت الانسحاب أو تقرر ما إذا كان الجيش قد نفذ مهامه أم لا، لأن الجيش اللبناني ليس تحت وصاية إسرائيل.
كما اعتبر أن نجاح أي تفاهم مرتبط أيضًا بالظروف الإقليمية، لافتًا إلى أنه في حال صح الاتفاق بين أميركا وإيران على إنهاء الحرب، عندها تستطيع واشنطن الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان، أما إذا لم يتم الضغط على إسرائيل للانسحاب، فهذا يعني، وفقًا لرأيه، أن هناك تحضيرًا لحرب كبيرة بين الأطراف الثلاثة.
وفي قراءته للمشهد السياسي، اعتبر شربل أن ما يجري ليس مجرد حملة تشويش عابرة، بل يعكس صراعًا سياسيًا حول المرحلة المقبلة ودور المؤسسة العسكرية، محذرًا من محاولة وضع الجيش في مواجهة طرف سياسي، ومؤكدًا أن الجيش لا يقف مع فريق ضد آخر، بل مع الشعب ومع القرارات التي تصدر عن الدولة.
وشدد على أن الحكومة هي الجهة التي تدرس التداعيات السياسية لأي قرار، فيما يدرس الجيش التداعيات الأمنية، وعندما يتوافر القرار السياسي والإمكانات اللازمة، فإن المؤسسة العسكرية قادرة على تنفيذ مهامها.
وعليه، فإن المؤسسة العسكرية تقف أمام مرحلة دقيقة تحمل معها مسؤوليات كبيرة وتحديات متعددة، ما يجعل تحييدها عن أي تجاذبات سياسية أمرًا أساسيًا، خصوصًا في ظل حساسية الملفات التي باتت على عاتقها. وبينما يبقى الجيش عنصر الاستقرار الأساسي، فإن الحفاظ على دوره بعيدًا عن أي خلافات أو اصطفافات يبقى أمرًا ضروريًا لتمكينه من القيام بمهامه.