June 27, 2026   Beirut  °C
سياسة

"ما يحصل هو أرنب نبيه بري".. شربل صياح: القوة متعددة الجنسيات بوابة فرنسا لاستعادة نفوذها في لبنان

أثار إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الخميس، خلال قمتهما في مدينة أنتيب الفرنسية، عزمهما العمل على تشكيل "ائتلاف" متعدد الجنسيات مع انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (يونيفيل) نهاية العام الحالي، تساؤلات واسعة في الأوساط اللبنانية، لا سيما وأنه تزامن مع المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية القائمة في واشنطن.

ومع ترحيب رئيس الجمهورية جوزاف عون بالمبادرة، تتجه الأنظار إلى دلالات توقيتها، وما إذا كانت تعكس محاولة أوروبية لاستعادة دور فاعل في الملف اللبناني، وإلى فرص ترجمتها عمليا، ومدى قبولها من إسرائيل وحزب الله.

وفي هذا السياق، رأى الكاتب السياسي شربل صياح أن الهدف من الطرح الذي حُكي عنه بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة وزراء إيطاليا يتمثل في استعادة الدور الفرنسي على وجه الخصوص، والدور الأوروبي بصورة عامة، في المسار الذي تنتهجه الدولة اللبنانية حيال تداعيات الصراع الإيراني الإسرائيلي، مؤكدا أن هذا هو جوهر المبادرة المطروحة.


وانتقد عَبرَ مِنصة "بالعربي" ترحيب رئيس الجمهورية جوزاف عون بهذا الطرح، مشددا على ضرورة الفصل بين مسارين أساسيين غالبا ما يُخلط بينهما. وقال إن اتخاذ الدولة اللبنانية قرارا بالدخول في سلام مع إسرائيل أو الامتناع عن ذلك يبقى شأنا سياديا يخص الدولة وحدها، شأنه شأن أي قرار سيادي آخر، إلا أن هذا الأمر لا علاقة له بملف سلاح حزب الله، لأن هذا الملف منفصل تماما عن أي مفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

                                                              

أضاف صياح إن استمرار ربط سلاح حزب الله بأي مفاوضات يمنح الحزب مكاسب سياسية إضافية، باعتباره طرفا متمرسا في إدارة اللعبة الإقليمية، مشيرا إلى أن الوقائع القائمة حتى الآن تؤكد هذا الأمر.


واعتبر أن الخطوة الأجدى كانت تكمن في سحب الدولة اللبنانية ورقة حزب الله من يد إيران، عبر إعلان واضح بأنها هي وحدها المخولة بالتعامل مع الحزب، وليس أي جهة خارجية، لأن هذه الخطوة أكثر أهمية من مجرد إطلاق مفاوضات لن تؤدي، برأيه، إلى نتائج فعلية.


وأشار صياح إلى أن فرنسا، ومنذ تشكيل اللجنة الخماسية، تسعى إلى تثبيت دورها في الملف اللبناني، معتبرا أن ذلك يرتبط أيضا بالتنافس السياسي القائم بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأوضح أن تصريحات ترامب الأخيرة، التي اتهم فيها أوروبا بعدم القيام بأي دور فاعل في هذا الصراع، ربما دفعت ماكرون إلى طرح مبادرة موازية تؤكد حضور باريس في هذا الملف، لافتا أيضا إلى بروز دور مصري مؤيد للمقاربة الفرنسية، يتضمن أفكارا من بينها احتمال إنشاء قوات متعددة الجنسيات. وأبدى تخوفه من الوصول إلى "اتفاق القاهرة – 2".


وفي ما يتعلق بملف سلاح حزب الله، أكد أن السؤال الحقيقي ليس ماذا يريد الحزب، لأن الحزب أعلن مرارا مطالبه ومواقفه، وإنما السؤال الأهم هو: من هي الجهة القادرة فعلا على معالجة قضية سلاحه؟ وأجاب أن إسرائيل ليست قادرة على ذلك، كما أن الولايات المتحدة الأميركية ليست في موقع يسمح لها بحل هذه المسألة، إلا في حال إسقاط النظام الإيراني، وهو ما لم يحصل. وبالتالي، فإن الجهة الوحيدة القادرة على نزع سلاح حزب الله هي الدولة اللبنانية، منتقدا مقاربتها القائمة على الدعوة إلى الحوار مع الحزب. واعتبر أنها تعكس حالة من التخبط والعجز.


وقال صياح إن الدولة تبرر ذلك بعدم قدرتها على المواجهة، في حين أن المؤسسات الشرعية تمتلك الكفاءات والإمكانات اللازمة إذا توافرت الإرادة السياسية، مشددا على أن الجيش اللبناني يمثل السلطة الشرعية الوحيدة المخولة بحمل السلاح وفرض سلطة الدولة. واعتبر أن أي شخص يحمل السلاح في مواجهة الجيش، مهما كانت انتماءاته السياسية أو الدينية، هو خارج عن القانون وليس طرفا في حرب أهلية، بل يشكل حالة من الفوضى المسلحة. وقال إن التخويف الدائم من اندلاع حرب أهلية أصبح ذريعة تمنع الدولة من القيام بواجباتها، داعيا إلى الفصل الكامل بين مسار المفاوضات مع إسرائيل، سواء أفضت إلى سلام أو هدنة أو أي صيغة أخرى، وبين ملف السلاح غير الشرعي.


وأكد أن ما يعنيه اليوم هو استمرار وجود ميليشيا خارج إطار الدولة تتحكم بمصير البلاد وتؤثر في كل مسار تفاوضي يحصل، معتبرا أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لن تحقق أي فائدة عملية، بل منحت مزيدا من الوقت لإنجاز تفاهم أميركي إيراني، بما يسمح لإيران بالاستفادة من أي تنازلات أميركية داخل الساحة اللبنانية. وأوضح أن هذا الواقع يمثل، برأيه، ما وصفه بـ "أرنب نبيه بري"، في إشارة إلى استخدام الوقت والمفاوضات كوسيلة لإدارة الاستحقاقات السياسية بدلا من معالجتها بصورة حاسمة.


ويبقى نجاح أي مبادرة دولية مرهونا بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها وفرض هيبتها على كامل أراضيها، بعيدا عن أي ازدواجية في القرار الأمني والعسكري. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل لبنان عرضة للتجاذبات، وساحة مفتوحة لتقاطع المصالح والتجارب الإقليمية والدولية، فيما تبقى الحلول الخارجية عاجزة عن إنتاج استقرار مستدام من دون دولة قوية تحتكر وحدها قرار السلم والحرب.