June 25, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد سعيد القزح: الدخول إلى المناطق التجريبية يهدف إلى مراقبة عمل الجيش اللبناني في فرض الأمن

بعد الحديث عن "المشروع التجريبي" الذي اقترحته القيادة الأميركية والذي يقضي بتسليم أجزاء من المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية إلى الجيش اللبناني، مع بقاء وجود عسكري إسرائيلي في "منطقة عازلة" بالتوازي مع انتشار القوات اللبنانية، انتقل النقاش إلى تفاصيل هذا الطرح والضمانات المطلوبة لإنجاحه، إضافة إلى الدور الأميركي الذي ستلعبه واشنطن في مواكبته.

فيما أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون أن تحديد "المناطق النموذجية" التي سيشملها المشروع لا يزال موضع بحث، بانتظار موافقة الجانب الإسرائيلي عليها، مؤكدا أن المفاوضات القائمة في واشنطن مستمرة ومنفصلة عما صدر عن اجتماعات سويسرا الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وإيران.

فهل ينجح هذا المشروع في التحول من تجربة محدودة إلى مسار فعلي يكرّس دور الجيش اللبناني في الجنوب؟


في هذا السياق، قدّم العميد الركن المتقاعد والخبير العسكري الاستراتيجي سعيد القزح قراءة عسكرية لمشروع المناطق التجريبية، متناولا أبعاد الخطوة، ودور الولايات المتحدة في الإشراف عليها، إضافة إلى التحديات التي قد تواجه تنفيذها.


واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أي انسحاب من أي شبر من الأراضي اللبنانية المحتلة من قبل القوات الإسرائيلية هو أمر إيجابي ومرحب به، وخطوة نحو الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى تنفيذ المطالب اللبنانية التي تشمل إعادة الأسرى إلى لبنان، موضحا أن المشروع التجريبي يشبه إلى حد كبير فكرة الانسحاب التدريجي وجدولة مراحل الانسحاب، لكن الفارق الأساسي هو أن الدخول إلى المناطق التجريبية يهدف إلى مراقبة عمل الجيش اللبناني في فرض الأمن والسيطرة وسلطة الدولة اللبنانية على المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.


وأشار القزح إلى أن الرقابة في هذه المرحلة ستكون أساسية، معتبرا أن الدور الأميركي سيكون كبيرا، مع إمكان إعادة تفعيل آلية شبيهة بالـ "ميكانيزم" السابق، على أن يكون هناك دور أميركي شمال الليطاني، فيما يكون لقوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" دور جنوب الليطاني. ولفت إلى أن تحركات الجيش اللبناني وأي انسحاب إسرائيلي يجب أن يكون بإشراف قوات اليونيفيل، كما حصل في العام 2006 عندما كان الجيش الإسرائيلي ينسحب من المناطق ويسلمها لقوات الطوارئ، التي كانت بدورها تسلمها للجيش اللبناني، لتجنب وجود تنسيق مباشر بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية.


وأكّد أن الجيش اللبناني سيكون تحت المراقبة داخل هذه المناطق للتأكد من قيامه بتنظيفها من أي سلاح غير شرعي أو أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، سواء كان لبنانيا أو فلسطينيا أو تابعا لأي جهة أخرى، مشيرا إلى أن نجاح التجربة في منطقة معينة سيؤدي إلى الانتقال إلى منطقة أخرى وفق الآلية نفسها.


وفي ما يتعلق بالضمانات الأميركية، رأى القزح أن الانخراط الأميركي سيكون أكبر من السابق إذا كانت واشنطن تريد إنجاح مشروع المناطق التجريبية وتأمين انسحاب إسرائيل من لبنان، معتبرا أن الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني ظهر منذ بداية الحرب، وصولا إلى استضافة واشنطن للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة. وأشار إلى أن هذا الاهتمام يذكّره بمرحلة العام 2005 بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حين كان الرئيس الأميركي جورج بوش الابن يشدد على سيادة لبنان وخروج القوات السورية.


وعن علاقة الملف اللبناني بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، أوضح أن هذه المفاوضات قد تبحث موضوع السلاح فقط، معتبرا أن الولايات المتحدة تدرك ارتباط سلاح حزب الله بالحرس الثوري الإيراني، وأن أي حل لهذا الملف يحتاج إلى قرار مباشر من طهران.


وتمنى القزح إيجاد حل فعال لسلاح حزب الله وتسليمه كهدية للجيش اللبناني، بحيث يمكنه أن يستفيد من بعضها، موضحا أن بعض الأسلحة التي تستخدمها المجموعات المسلحة لا تناسب طبيعة الجيوش النظامية. وأعطى مثالا على ذلك بالصواريخ التي كانت تسقط في قرى مثل الرميش وعين إبل ودبل والقليعة. واعتبر أن الفرق بين الهدف المعلن وبين أماكن سقوطها يوضح طبيعة هذه الأسلحة. في المقابل، رأى أن أسلحة أخرى مثل المضادة للدروع يمكن أن يستفيد منها الجيش اللبناني.


وفي ما يخص تحديد المناطق التجريبية، أوضح أن اختيارها سيخضع لاعتبارات عسكرية، مستبعدا أن تكون المرحلة الأولى داخل الخط الأصفر الذي أعلنته إسرائيل بعد وقف إطلاق النار، والذي يمتد من البياضة وصولا إلى مرتفعات جبل الشيخ.


ورأى القزح أن المناطق التجريبية قد تكون شمال الليطاني أو في مناطق مثل دبين ومحيطها، مشيرا إلى أن احتمال تسلم مناطق أخرى يبقى مرتبطا بموافقة الدولة اللبنانية على معالجة الأنفاق والمدن التي تقول إسرائيل إنها موجودة تحت تلة علي الطاهر.


ولفت إلى أن إسرائيل تعتبر أن هذه الأنفاق تضم منشآت تحت الأرض وغرف عمليات وقيادة وسيطرة مرتبطة بحزب الله، لكنه رأى أن المرحلة الأولى على الأرجح لن تتخطى الخط الممتد من البياضة ورشاف وبيت ليف وشمال بنت جبيل في القطاع الأوسط وصولا إلى القنطرة والقطاع الشرقي ومرتفعات جبل الشيخ.


وشدّد القزح على أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن هي التي ستحدد مستقبل العلاقات الأمنية بين الطرفين، معتبرا أن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي اللبنانية قبل الوصول إلى ترتيبات أمنية تعالج هواجسها المتعلقة بالسلاح غير الشرعي، لمنع أي تهديد مستقبلي.


وقال إن المسار قد يبدأ من اتفاقية الهدنة العام 1949 وصولا إلى أي اتفاق مستقبلي بين البلدين، مشيرا إلى أن نجاح مشروع المناطق التجريبية وتمكن الجيش اللبناني من إدارة المناطق التي يتسلمها يمكن أن يشكل مدخلا لترتيبات أمنية أوسع تؤدي في النهاية إلى انسحاب إسرائيل من لبنان، ووقف الاعتداءات، وعودة الأسرى.


في نهاية المطاف، وعلى الرغم من أهمية المشروع التجريبي وما قد يتيحه من تقدم على مستوى انتشار الجيش اللبناني، إلا أن مستقبل الجنوب يبقى مرتبطا على ما يبدو بما سينتج عن التفاهمات الإقليمية والدولية، وما إذا كانت إيران ستسعى لفرض حل لسلاح حزب الله، باعتباره أحد أبرز الملفات التي ستحدد مستقبل الترتيبات الأمنية والانسحاب الإسرائيلي الكامل.