بعد موجة الاحتفال التي عمَّت أوساط محور الممانعة في لبنان، عبر المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي ولافتات الشكر لإيران، إثر الإعلان عن تفاهم أميركي - إيراني وما تردد عن إدراج لبنان ضمن النقاشات المرافقة له في سويسرا، بدأت هذه الأجواء تتبدد سريعا. فقد بنى حلفاء طهران في لبنان رهاناتهم على أن يصبح الملف اللبناني جزءا مباشرا من التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة، وأن يؤدي ذلك إلى تثبيت ارتباط القرار اللبناني بالقرار الإيراني.
غير أن الرسائل والمواقف الأميركية اللاحقة بدت كفيلة بتبديد هذه الرهانات. إذ حملت الرسالة التي وجهها نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، إلى جانب تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، تأكيدا واضحا على فصل المسار اللبناني عن أي مفاوضات أميركية - إيرانية تحصل في سويسرا أو في غيرها، وعلى أن الدولة اللبنانية تبقى المرجعية الوحيدة في معالجة القضايا المتصلة بلبنان.
تعليقا على تلك التطورات، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي جورج العاقوري أن الخطاب الذي يعتمده محور الممانعة، وفي مقدمته حزب الله، يقوم على تضخيم الوقائع وإخراجها من سياقها لتسويق انتصارات وهمية، مشيرا إلى أن هذا النهج بات معروفا لدى اللبنانيين بعد سنوات طويلة من المبالغات السياسية والإعلامية.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الحديث عن مسارات تفاوضية جانبية، سواء في إسلام آباد أو في سويسرا، قد يشكل عاملا مساعدا في بعض الملفات، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا من المسار اللبناني - الإسرائيلي الذي يحصل برعاية أميركية في واشنطن، مؤكدا أن هذا المسار هو الإطار الأساسي لأي معالجة جدية للملفات الحدودية والأمنية والسيادية، ولا يمكن إلغاؤه أو تجاوزه عبر مبادرات موازية.
ورأى العاقوري أن ما أثير حول إنشاء خلية لضبط إطلاق النار يندرج في الإطار التقني، ولا يفتح الباب أمام دور إيراني مقرر في الشأن اللبناني. وقال إن أي دور لإيران، إذا وجد، يجب أن يقتصر على المساعدة في كبح حزب الله ومنعه من التصعيد، لا أن يتحول إلى حق في تقرير مصير لبنان أو إدارة مفاوضاته.
وأوضح أن هذا التوجه يحمل دلالة إيجابية، لأنه يعكس اقتناعا متزايدا لدى المجتمع الدولي بأن حزب الله تنظيم مرتبط عضويا بإيران، وأن الفصل بين جناحه العسكري وجناحه السياسي لم يعد مقنعا أو قابلا للتطبيق، لافتا إلى أن السياسات الغربية السابقة التي سعت إلى احتواء الحزب أو إلى تقديمه كتنظيم لبناني قابل للاندماج الكامل في الدولة لم تحقق النتائج المرجوة، لأن قراره الاستراتيجي بقي مرتبطا بالمشروع الإيراني.
وأشار العاقوري إلى أن الاتصالات الأميركية مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ومع رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، تعكس اهتماما دوليا وعربيا بتثبيت مرجعية الدولة اللبنانية في أي تفاوض مقبل، مشددا على أن نجاح أي مسار تفاوضي يحتاج إلى موقف لبناني واضح يضع السيادة وحصرية السلاح بيد الدولة في مقدمة الأولويات.
وفي ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من بعض المناطق في جنوب لبنان، قال إن هذا الملف طرح بجدية في مفاوضات واشنطن قبل أي تقدم محتمل في المسار الأميركي - الإيراني أو قبل التوصل إلى تفاهمات إقليمية أوسع، موضحا أن البحث يتناول إمكان إنشاء مناطق تجريبية تخلو بصورة كاملة من منشآت حزب الله وعناصره وسلاحه، فوق الأرض وتحتها وفي المجال الجوي.
ورأى العاقوري أن هذه المناطق، في حال تطبيقها، يمكن أن تشكل نموذجا عمليا لاستعادة الدولة سيطرتها تدريجيا، بحيث تنتقل العملية من منطقة إلى أخرى ضمن مسار متدرج، معتبرا أن هذا النموذج يشبه تركيب أجزاء متتابعة من صورة واحدة، تبدأ بإفراغ مناطق محددة من أي حضور مسلح خارج إطار الشرعية، ثم تتوسع تباعا إلى مناطق أخرى.
وأكد أن أي انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية لن يكون منفصلا عن مسار مفاوضات واشنطن ودور الدولة اللبنانية، بل سيكون مرتبطا بقدرتها على إثبات أنها صاحبة القرار والسيادة، وأنها قادرة على بسط سلطتها ومنع وجود السلاح غير الشرعي. وقال إن معالجة ملف سلاح حزب الله لا يمكن أن تبقى مؤجلة، لأن استمرار هذا السلاح يضعف الدولة ويمنعها من التفاوض من موقع واضح وقادر.
وتعليقا على مواقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، رأى العاقوري أن حديثه عن الاستمرار في القتال يعكس إنكارا للواقع الميداني وعجرفة في التعامل مع الشأن الوطني، معتبرا أن قول الشيخ قاسم أن بعض من يدعي الوطنية في لبنان إرتكب مجازر لإلغاء الآخر" هو تجاهل لتاريخ حزبه وممارساته منذ نشأته في العام 1982 ضد الجيش اللبناني في ثكنة الشيخ عبدالله وتصفية ضباطه في أبلح ورياق وغيرها من المناطق.
وأشار إلى أن الذاكرة اللبنانية لا تزال حاضرة في ما يتعلق بالصراعات التي خاضها الحزب ضد قوى لبنانية مختلفة، لا سيما حركة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) وحركة أمل، وبالاغتيالات السياسية التي هزت البلاد، مذكرا بإدانة المحكمة الخاصة بلبنان عناصر من حزب الله في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ورأى العاقوري أن استمرار الحزب في ربط خياراته العسكرية والعقائدية بالمشروع الإيراني وبمبدأ ولاية الفقيه يجعله خارج الحسابات الوطنية اللبنانية. وقال إن الحزب يتصرف وفق أولويات تتجاوز مصلحة لبنان، فيما يحتاج اللبنانيون إلى دولة تحميهم وتقرر باسمهم وتمنع تحويل أراضيهم إلى ساحة رسائل إقليمية.
وفي سياق متصل، انتقد رفع لافتات وصور لزعماء إيرانيين على طريق المطار، معتبرا أن هذه الخطوة استفزازية ومرفوضة وتمس بصورة لبنان وسيادته. ودعا الحكومة نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار إلى التحرك السريع لإزالة هذه المظاهر، خصوصا وأن طريق المطار يمثل المدخل الجوي الرئيسي للبلاد وواجهة الدولة أمام الزوار والوفود الدولية.
وأكد العاقوري أن عجز الدولة عن إزالة صورة أو لافتة مخالفة على طريق المطار يرسل إشارة سلبية إلى الخارج، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على استعادة سيادتها الكاملة وعلى معالجة ملف سلاح حزب الله ضمن أي تفاهمات أو مفاوضات جارية في واشنطن.
وبذلك، بدا أن الخطاب الذي روج له محور الممانعة خلال الأيام الماضية حول وضع لبنان على طاولة التفاوض الإيرانية تلقى انتكاسة سياسية، بعدما أعادت واشنطن التشديد على استقلالية الملف اللبناني وضرورة التعامل معه من خلال مؤسسات الدولة اللبنانية ومسار تفاوضي خاص، بعيدا من محاولات ربطه بحسابات طهران الإقليمية.