بعد وصول الجيش الإسرائيلي إلى مشارف تلة علي الطاهر وفرضه طوقا على منشأة تابعة لحزب الله تقع في أعماقها، عاد الحديث عن الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع، سواء بالنسبة إلى إسرائيل، التي تتيح لها السيطرة على التلة الإشراف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، لا سيما منطقة النبطية، أو بالنسبة إلى حزب الله وإيران من جهة أخرى.
ومع وصف بعض المصادر منشأة علي الطاهر بأنها وزارة خارجية حزب الله، نظرا إلى ما يقال إنها تضمه من شبكة أنفاق معقدة ومتشعبة، ومراكز قيادة متقدمة، ومعدات عسكرية متطورة، تبدو طهران معنية بها بدرجة كبيرة. فالمنشأة لا تعد، بحسب هذه الروايات، مجرد مركز عسكري مهم للحزب، بل يشار أيضا إلى احتمال وجود ضباط إيرانيين داخلها يشاركون في إدارة بعض العمليات العسكرية.
ووفقا لما نقلته وسائل إعلام عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع، تخشى طهران أن يؤدي استمرار العمليات البرية أو اقتحام المنشأة إلى وقوع هؤلاء الضباط في الأسر. ويطرح هذا العامل بوصفه أحد الدوافع المحتملة وراء الإصرار الإيراني على وقف العمليات البرية في المنطقة، تفاديا لتداعيات قد تطال حياة الضباط الموجودين داخل الموقع ومكانة إيران في إدارة الملف العسكري للحزب.
فما أهمية موقع علي الطاهر تحديدا؟ وما طبيعة المنشآت والتجهيزات التي يعتقد أنه يضمها؟ وهل يمكن لإسرائيل أن تتراجع عن محاصرته، بعد سنوات من السعي إلى الوصول إليه واعتباره أحد المواقع الحساسة في البنية العسكرية لحزب الله؟
في هذا الإطار، قال العميد المتقاعد يعرب صخر إن تلة علي الطاهر تحمل رمزية خاصة في الذاكرة المرتبطة بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، باعتبارها آخر نقطة انسحبت منها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية قبل استكمال الانسحاب الكامل.
وأوضح عبر منصة "بالعربي" أن ما تلا مرحلة الانسحاب شهد، بحسب تعبيره، تحولات ميدانية وأمنية بارزة من قبل حزب الله تمثلت في توسع أعمال الحفر وإنشاء شبكة واسعة من الأنفاق في مناطق متعددة من الجنوب اللبناني، وكذلك في الضاحية الجنوبية لبيروت، بحيث باتت هذه الشبكات تمتد على نطاق جغرافي واسع وتشكل بنية تحتية عسكرية معقدة ومتشابكة، وفق وصفه.
وأشار إلى أن هذه الأنفاق لا تقتصر على مواقع محددة مثل علي الطاهر أو مجدل زون أو كفر تبنيت، بل تشمل عددا كبيرا من البلدات والمناطق الجنوبية، مع استمرار اكتشاف مواقع جديدة على فترات متلاحقة، ما يعكس، بحسب قوله، طبيعة الانتشار الواسع لهذه البنية تحت الأرض.
وتوقف عند أهمية تلة علي الطاهر، موضحا أن موقعها الجغرافي يمنحها قيمة استراتيجية لكونها تقع على خط فاصل بين مناطق جنوب الليطاني وشماله، وتطل على مدينة النبطية، بما يسمح بالإشراف على شبكة طرق ومحاور رئيسية تربط بين القرى والبلدات المحيطة.
وأضاف أن هذا الموقع يتيح، وفق تقديره، التحكم بعدة اتجاهات عملياتية تمتد نحو إقليم التفاح غربا وصولا إلى مناطق المصيلح وحبوش ودار الزهراني، إضافة إلى امتدادات أخرى باتجاه القطاع الغربي وصولا إلى محيط مدينة صور.
كما ذكر أن من بين العناصر الموجودة في تلة علي الطاهر، قياديين من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب غرفة العمليات الميدانية التابعة لحزب الله، مشيرا إلى أن هذا التواجد يندرج ضمن طبيعة الأهمية العسكرية التي تنسب إلى الموقع.
وتابع صخر أن أهمية المنطقة لا تقتصر على سطحها الجغرافي، بل تمتد إلى ما وصفه ببنية تحتية تحت الأرض تتضمن أنفاقا ومنشآت عسكرية متعددة الاستخدامات، مشيرا إلى تداول معلومات غير مؤكدة حول ارتباط بعض هذه المواقع بغرف عمليات أو قيادات ميدانية، إضافة إلى حديث عن وجود قدرات تسليحية متقدمة، من دون التحقق من تفاصيلها بشكل مستقل.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن إسرائيل تولي اهتماما خاصا بهذه المواقع نظرا لأهميتها الاستراتيجية، موضحا أن التعامل معها يتم ضمن خيارات عسكرية مختلفة، تتراوح بين تدميرها أو تعطيلها أو منع إعادة استخدامها، في ظل تعقيدات تتعلق بإمكانية نقل السيطرة عليها إلى أطراف أخرى، وبسبب ما وصفه بعدم اليقين الأمني.
كما طرح تساؤلات حول توقيت تدخل إيران في المرحلة الراهنة لفرض وقف لإطلاق النار في جنوب لبنان، معتبرا أن هذا التدخل يرتبط، بحسب قراءته، بتطورات ميدانية متسارعة في الجنوب اللبناني، وبما وصفه بتراجع القدرات العسكرية لحزب الله، وتبدل ميزان السيطرة في مناطق تمتد من جنوب الليطاني إلى شماله، خصوصا في المناطق الشرقية ذات الأهمية الجغرافية الحساسة.
وأوضح صخر أن هذا التحول، وفق تعبيره، يجعل من تلك المناطق نقاطا متقدمة في منظومة الدفاع للحزب، ويضعها في موقع محوري ضمن ما يعتبره خطه الدفاعي الأخير، بما يشمل البنية اللوجستية وشبكات الأنفاق ومخازن الأسلحة وخطوط الإمداد، مشيرا في هذا السياق إلى أن إسرائيل تقوم بتفجير بعض الأنفاق، ومن بينها أنفاق في منطقة مجدل زون، موضحا أن هذه التفجيرات قد تكون كبيرة في بعض الأحيان، إلى حد أنها تتسبب بهزات أرضية طفيفة في المناطق المحيطة.
تشير المعطيات إلى أن تلة علي الطاهر جزء من منظومة مواقع عسكرية معقدة أنشئت في مناطق نفوذ حزب الله على مدى سنوات. ومع تصاعد الحديث عن استهداف هذه المواقع، يبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت المفاوضات القائمة في واشنطن قد تفضي إلى تسويات تشمل تسليم بعضها للدولة اللبنانية تجنبا للتصعيد، أم أن الحزب سيبقى متمسكا ببنيته العسكرية واللوجستية ويرفض التخلي عنها.