June 20, 2026   Beirut  °C
سياسة

ناجي علي أمهز: لا مفر من التفاوض.. وإلا فالمنطقة أمام الدمار

لم يكن التاسع عشر من حزيران يوما عاديا على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، إذ جاء بعد الكمين الذي استهدف قوة إسرائيلية في تلال علي الطاهر وأسفر عن مقتل أربعة جنود، بينهم قائد كتيبة من "الكتيبة 52"، ليتصاعد التوتر من الميدان إلى الساحة السياسية الإسرائيلية، وسط دعوات متزايدة للرد بقوة أوسع وأكثر قسوة.

وفي خضم هذا التصعيد، أثارت تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير جدلا واسعا، بعدما دعا إلى تشديد غير مسبوق في التعامل مع لبنان، قائلا إن "لبنان كله يجب أن يحترق"، مضيفا إن "مقابل كل دمعة تذرفها أم إسرائيلية، يجب أن تبكي ألف أم لبنانية". كما أكد في رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة والرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل "لا تساوم"، وأن الحسم لا يتحقق عبر "ضبط النفس" أو "الردود المدروسة". ولم يكن بن غفير وحده في هذا التصعيد، إذ انضم إليه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش داعيا إلى فتح "أبواب الجحيم" في مواجهة خصوم إسرائيل.


وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الضربات العسكرية الإسرائيلية بالتوازي مع مساع دبلوماسية لاحتواء التصعيد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وقدرة الدبلوماسية على كبح مسار التصعيد في ظل تفوق إيقاع الميدان.


وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي ناجي علي أمهز أن فهم هذا التناقض يتطلب التمييز أولا بين "بلاغة المنابر" و"واقعية الغرف المغلقة"، معتبرا أن تصريحات بن غفير وسموتريتش، على الرغم من خطورتها، تندرج في إطار "الاستهلاك المحلي" ومحاولة امتصاص الغضب الشعبي الإسرائيلي المتصاعد نتيجة الضربات الميدانية المؤلمة، فضلا عن كونها محاولة للالتفاف على الضغوط الأميركية المتزايدة.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الحكومة الإسرائيلية وضعت أمام إشكالية حقوقية وإنسانية كبرى، لا سيما بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ألمح إلى أن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق إنجاز ملموس على الرغم من الفترة الطويلة من القتال، مؤكدا أنه لا يمكن تبرير تدمير كل مبنى دخله أحد عناصر حزب الله، لأن جميع اللبنانيين ليسوا منتمين إلى الحزب. واعتبر أن هذا الموقف الصادر عن الحليف الأساسي لإسرائيل وضعها أمام مأزق أخلاقي وسياسي على المستوى الدولي.


وأشار أمهز إلى أن المفاوضات في السياسة الدولية لا تحصل دائما بين أطراف تسعى إلى السلام، بل تعد أداة ضرورية بين الخصوم لإدارة الصراع ومنع انفلاته، موضحا أن المحادثات القائمة في سويسرا، والتي تستمد زخما من الاتفاق الأميركي - الإيراني الموقع في 17 حزيران 2026، تهدف في جوهرها إلى صياغة "قواعد اشتباك جديدة". وتكمن جدواها، بحسب أمهز، في توفير مخرج سياسي يسمح لإسرائيل بالتراجع عن مسار التصعيد، ويضمن، في الوقت نفسه، تحييد البنية التحتية اللبنانية عن دائرة الاستهداف والدمار.


وأكد أن المؤسسة العسكرية في تل أبيب تدرك أن تحويل تهديدات الوزراء إلى واقع عملي يعني الانخراط في حرب استنزاف مفتوحة بلا أفق واضح، وهو ما حذرت منه الإدارة الأميركية صراحة في إطار التزامها بالتفاهمات الأميركية - الإيرانية، فضلا عن التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى أن جبهة لبنان في العام 2026 أصبحت أكثر تعقيدا وتسليحا وقدرة على إيقاع الخسائر من أي وقت مضى.


وبالنسبة إلى أمهز، فإن "واقعية الميدان" هي المحرك الحقيقي للدبلوماسية؛ فكلما ارتفع منسوب التصعيد العسكري، ازدادت الحاجة إلى قنوات تواصل خلفية لتجنب سوء التقدير والانزلاق نحو مواجهة شاملة. وقال إن مقتل قائد الكتيبة 52 يشكل رسالة ميدانية واضحة مفادها بأن كلفة الحرب الواسعة ستكون باهظة بشريا وعسكريا على الجانبين. ومن هنا، تصبح المفاوضات المساحة الوحيدة القادرة على ترجمة هذا "التعادل في الألم" إلى ترتيبات أمنية وسياسية، بعيدا عن ضجيج التهديدات الإعلامية.


ورأى أنه لا يمكن عزل ما يحصل في الجنوب اللبناني عن المشهدين الإقليمي والدولي، فواشنطن، التي ترعى المسار التفاوضي، لن تسمح بانهياره استجابة لطموحات أوساط اليمين المتطرف في إسرائيل، لأن هذا الأمر من شأنه أن يهدد التفاهمات الأوسع مع طهران، معتبرا، من هذا المنطلق، أن التصريحات التصعيدية ليست سوى "تكتيك تفاوضي خشن" يهدف إلى تحسين الشروط السياسية في المراحل الأخيرة من التفاوض.


وشدد أمهز على أن جدوى المفاوضات تكمن في كونها "صمام الأمان" الوحيد المتاح. فبينما يروج المتطرفون لخطابات تقوم على منطق الحسم العسكري والدمار الشامل، تفرض الجغرافيا السياسية وحقائق الميدان على كل الأطراف العودة إلى طاولة التفاوض. ذلك أن "أبواب الجحيم"، إذا فتحت، لن تقتصر تداعياتها على لبنان وحده، بل ستمتد آثارها إلى عمق الكيان الإسرائيلي والمنطقة بأسرها، مؤكدا أن المنطقة وصلت إلى مفترق حاسم لا مفر منه: إما التفاوض والبحث عن حلول سياسية تفتح باب الاستقرار، وإما الانزلاق إلى حرب جديدة قد يجد الجميع أنفسهم بعدها يبحثون عن النجاة وسط الدمار، ليس للمنطقة فحسب، بل ربما لما هو أبعد من ذلك.


في المحصلة، تبدو المنطقة اليوم عالقة بين منطق التصعيد ومنطق التسوية. فبينما ترتفع أصوات تدعو إلى توسيع المواجهة، تفرض الوقائع الميدانية والتوازنات الإقليمية والدولية الحاجة إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. وبين الحرب والدبلوماسية، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح السياسة في احتواء النار قبل أن تتجاوز حدود السيطرة، أم أن الميدان سيكون صاحب الكلمة الفصل؟