شكل قرار الولايات المتحدة، الخميس، فرض حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على شخصيات وكيانات لبنانية مرتبطة بحزب الله، مفاجأة من العيار الثقيل، إذ اتهمتها بعرقلة عملية السلام في لبنان وتأخير مسار نزع سلاح الحزب. وشملت العقوبات 3 أفراد و5 كيانات مرتبطة بالحزب، من أبرزهم رئيس تيار المردة الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية، ونائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي.
ويأتي هذا القرار في سياق مفاجئ، لا سيما مع تزامنه مع توقيع الجانبين الأميركي والإيراني اتفاق تفاهم بينهما. ويثير توقيت صدور هذه العقوبات تساؤلات حول دلالاتها والغاية منها، خصوصا وأنها تأتي استكمالا لسلسلة قرارات مماثلة سابقة صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، طالت مقربين من حركة أمل وعسكريين لبنانيين.
فما دلالات هذا القرار؟ وهل يشكل رسالة أميركية إلى المعنيين بأن مسألة نزع سلاح حزب الله لا تزال أولوية لدى واشنطن، بما ينفي ما يروجه بعض أطراف محور الممانعة من أن اتفاق التفاهم قد خفف من الاهتمام الأميركي بهذا الملف؟
وفي معرض حديثه عن العقوبات الأميركية الأخيرة تزامنا مع توقيع اتفاقية التفاهم بين واشنطن وطهران، رأى الوزير والنائب السابق بطرس حرب أن ما حصل أخيرا على صعيد هذا التفاهم لا يزال في إطار المشروع الذي يواجه عقبات عدة، معتبرا أن من المبكر الحديث عن نتائج حاسمة أو نهائية في هذا الملف.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المهلة المحددة لتنفيذ بعض البنود، والتي تبلغ 60 يوما، تعكس بحد ذاتها إدراكا مسبقا لدى الأطراف المعنية لحجم الصعوبات والتعقيدات التي تعترض التنفيذ ضمن المهل الموضوعة، مرجحا أن تكون هذه المهلة قابلة للتمديد إذا اقتضت الحاجة.
وقال حرب إن الانطباع الذي يتكون لدى المراقب هو أن الطرفين يحتاجان إلى تقديم ما يمكن عرضه أمام جمهوريهما على أنه إنجاز سياسي، إلا أن الوقائع العملية لا تشير حتى الآن إلى حلول فعلية أو نهائية، مضيفا إن الملف لا يزال في إطار البحث والمناقشات والمفاوضات المستمرة، وإن ما تحقق حتى الآن لا يتعدى كونه خطوات أولية في مسار طويل ومعقد.
وتعليقا على العقوبات الأميركية التي طالت الوزير السابق سليمان فرنجية والمسؤول في حزب الله محمود قماطي، إلى جانب شخصيات وشركات أخرى، أشار إلى أن هذه الإجراءات لا تعكس تغييرا في السياسة الأميركية تجاه الحزب، بل تأتي استكمالا لسلسلة من القرارات التي اتخذتها الإدارة الأميركية بحق شخصيات وجهات تعتبرها واشنطن متعاونة مع الحزب أو مساهمة في تسهيل نشاطاته.
ورأى حرب أن الولايات المتحدة لم تبدل موقفها المبدئي من حزب الله ومن الجهات التي تتعاون معه، وبالتالي فإن العقوبات الجديدة تندرج ضمن السياق نفسه الذي شهد في مراحل سابقة فرض عقوبات على شخصيات من حركة أمل وعلى عسكريين وشركات ومؤسسات مختلفة، مؤكدا أن العنصر الجديد في هذه القرارات لا يكمن في طبيعتها أو أهدافها، بل في أنها طالت أسماء وشخصيات جديدة.
أما في ما يتعلق بإمكان توسيع دائرة العقوبات لتشمل شخصيات أخرى من حلفاء حزب الله أو من جهات مختلفة، فأوضح أنه لا يملك المعطيات الكافية التي تسمح له بتحديد الأسس التي تعتمدها الإدارة الأميركية في اختيار الأسماء المستهدفة، مشيرا إلى أن الغموض الذي يحيط بأسباب إدراج بعض الأسماء على لوائح العقوبات يفتح الباب أمام احتمالات عدة، من بينها إمكان شمول العقوبات شخصيات أخرى في المستقبل إذا ارتأت الإدارة الأميركية ذلك.
وردا على سؤال حول ما إذا كانت العقوبات تشكل رسالة أميركية بعد الأجواء الإيجابية التي سادت لدى بعض الأوساط المؤيدة لإيران وحزب الله عقب الإعلان عن التفاهم، شدد حرب على أن الإدارة الأميركية ثابتة في توجهها تجاه الحزب، وأن هذا النهج لم يشهد أي تغيير جوهري، مؤكدا أن الثابت حتى الآن هو أن الدولة اللبنانية اتخذت قرارا واضحا بفصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات والتفاهمات القائمة بين طهران وواشنطن. وأوضح أن السلطات اللبنانية تعتبر أن لديها ملفها الخاص المرتبط باستعادة السيادة اللبنانية وإنهاء المواجهة القائمة مع إسرائيل، وكذلك معالجة مسألة السلاح غير الشرعي الموجود في أيدي فئة من اللبنانيين خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وقال إن القرار الرسمي اللبناني، سواء على مستوى الحكومة أو رئاسة الجمهورية، يقوم على مبدأ أن لبنان هو من يقرر كيفية معالجة قضاياه الداخلية، وأنه لا يجوز لأي جهة خارجية أن تتخذ قرارات نيابة عنه أو تحدد ما الذي يفيده أو يضره، معتبرا أن تمسك الحكومة اللبنانية باستقلالية القرار اللبناني يشكل خطوة إيجابية ومبدئية تستحق الدعم، لأن لبنان دفع على مدى عقود أثمانا باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية والدولية التي دارت على أرضه، وكان شعبه في كثير من الأحيان الضحية الأولى لهذه النزاعات.
وفي ما يتعلق بإمكان تطبيق هذا الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني على أرض الواقع، أقر حرب بوجود صعوبات كبيرة تواجه الدولة اللبنانية في هذا المجال، مشيرا إلى أن الجميع يدرك حجم التحديات المرتبطة بالتعامل مع حزب الله، الذي لا يزال خارج إطار الشرعية الكاملة للدولة وغير راغب في الخضوع لقراراتها في عدد من الملفات الأساسية.
ولفت إلى أن هذه الصعوبات، على الرغم من أهميتها، لا تعفي الدولة اللبنانية من مسؤولية الاستمرار في العمل من أجل تثبيت سيادتها وفرض مرجعيتها على كامل الأراضي اللبنانية، انطلاقا من مبدأ حصرية القرار الأمني والعسكري بمؤسسات الدولة الشرعية.
وفي مطلق الأحوال، لا يمكن قراءة العقوبات الأميركية الأخيرة إلا باعتبارها رسالة سياسية موجهة إلى الداخل اللبناني، لا سيما إلى محور الممانعة، أكثر مما هي إجراء اقتصادي منفصل، وذلك في توقيت يتزامن مع توقيع التفاهم الأميركي الإيراني، بما يعكس استمرار ثبات المقاربة الأميركية تجاه ملف حزب الله وعدم انفصاله عن مسار الضغوط السياسية الإقليمية الأوسع.