بعد كل ما تردد من حديث وتأكيدات بشأن أن الساحة اللبنانية باتت منفصلة عن الملف الإيراني، وأن الفرصة أصبحت متاحة أمام الدولة اللبنانية لممارسة قرارها المستقل وسيادتها على أرضها من دون أي تدخلات خارجية، لا سيما الإيرانية، فوجئ الرأي العام اللبناني، خصوصا غير المنخرط في فلك طهران، بما تضمنه الإعلان عن نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية وقرب التوصل إلى اتفاق تفاهم بين البلدين، من إشارات إلى شمول لبنان بمفاعيله.
وبغض النظر عن وقف إطلاق النار الذي تضمنته تلك التفاهمات، وما قد ينعكس من آثار إيجابية على اللبنانيين عموما وعلى أبناء الجنوب خصوصا، فإن مجريات التطورات دحضت، وفق هذا الطرح، ما كان يشاع عن عدم ارتباط الساحة اللبنانية بالمسار الإيراني في إطار تلك المفاوضات.
فهل نجحت إيران فعلا في الضغط على المفاوض الأميركي للإبقاء على لبنان ورقة ضمن تفاهماتها، وبالتالي في تثبيت نفوذها داخل الساحة اللبنانية، لا سيما بعد إعلانها أن أي اعتداء إسرائيلي على لبنان قد ينعكس سلبا على مسار الاتفاق القائم بينها وبين الولايات المتحدة؟
وفي هذا الإطار، أكد النائب السابق الدكتور مصطفى علوش أن طهران نجحت في استمرار ربط الساحة اللبنانية بملفها الإقليمي، مشيرا إلى أن مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره ملفا ثانويا ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، الأمر الذي انعكس على حجم الأولوية المعطاة له، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الدولة اللبنانية لفصل المسارين اللبناني والإيراني.
وفي المقابل، تحدث عَبرَ مِنصة "بالعربي" عن وجود رعاية أميركية لمسار تفاوضي آخر بين لبنان وإسرائيل، معتبرا أن هذا المسار، وإن أسهم في ضبط بعض الحدود وتخفيف مستوى التصعيد الإسرائيلي، إلا أنه لم يؤد إلى معالجة جوهرية لمشكلة سلاح حزب الله.
وأكد علوش أن أي حالة استقرار قد تنتج عن هذه التفاهمات تبقى موقتة وقابلة للانفجار في أي لحظة إذا لم تعالج جذور الأزمة بشكل شامل، مشددا على أن الدولة اللبنانية مطالبة بالاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة القائم، والعمل على تحقيق نتائج ملموسة. واعتبر أن استعادة السيادة أو الحفاظ عليها تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، بما يستدعي، بحسب قوله، مقاربة جدية لملف العلاقة مع حزب الله ضمن هذا الإطار.
وفي معرض رده على سؤال حول جدوى المفاوضات القائمة في واشنطن في ظل الحديث عن أدوار إيرانية في لبنان، قال إن إيران تسعى إلى تثبيت دورها كمرجعية مؤثرة في الساحة اللبنانية، داعيا إلى عدم الأخذ بما يروجه إعلام الحزب وانتظار ما ستؤول إليه التطورات، في ظل استمرار المسارات التفاوضية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، والتي لم تصل بعد إلى نهاياتها الحاسمة.
ورأى علوش أن الاتفاق الأميركي الإيراني، في حال ترجمته، قد يكون قد ساهم في تخفيف حجم الضرر الإسرائيلي على لبنان، لكنه في المقابل لم يعالج الإشكالية اللبنانية الأساسية، وفي مقدمها ملف سلاح حزب الله.
وفي ما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، قال إن إسرائيل لا تزال تصر على عدم الانسحاب وتواصل إطلاق التهديدات، محذرا من أن المرحلة المقبلة قد تشهد إما عودة إلى التصعيد العسكري، ولكن بشكل متقطع عبر عمليات محدودة واستهدافات موضعية، أو استمرار حالة الاستنزاف من دون حسم، مع بقاء الجنوب في حالة توتر دائم.
وأكد علوش أن على الدولة اللبنانية أن تصمد في مواجهة الضغوط والمناورات السياسية الداخلية المرتبطة بملف سلاح حزب الله، بما في ذلك الضغوط التي قد تترافق مع دعوات لتغيير الحكومة أو الاستقالة، مشددا على أن الخيار الأساس يجب أن يبقى تعزيز الإجراءات الأمنية والاستمرار في المسار التفاوضي القائم برعاية أميركية.
وعليه، تبدو الساحة اللبنانية مجددا أمام معادلة تؤرق غالبية اللبنانيين، حيث يتكرس مسعى إيراني للإبقاء على لبنان ورقة في صلب حساباتها الإقليمية، حتى ولو جاء ذلك على حساب أمنه واستقراره الداخلي. ويبقى البلد عالقا في دائرة ترقب مفتوحة على احتمالات سياسية وأمنية غير محسومة.