على وقع التفاهم الأميركي - الإيراني الذي أعلن عنه أخيرا وينتظر أن يوقع رسميا بين واشنطن وطهران الجمعة المقبل، يستكمل لبنان وإسرائيل في 22 و24 من الشهر الحالي جولات التفاوض في واشنطن وسط ترقب لما قد تحمله التطورات الإقليمية من انعكاسات على مسار هذه المحادثات.
وفي ظل غياب التفاصيل الكاملة لبنود الاتفاق الأميركي - الإيراني حتى الآن، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية ستشهد أي تبدل في مضمونها أو آلياتها أو النتائج المتوقعة منها، استنادا إلى مفاعيل هذا التفاهم.
كما يبرز التساؤل بشأن موقف إسرائيل من الملف اللبناني، لا سيما وأن التفاهم تضمن وقفا لإطلاق النار في لبنان، في وقت يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التشديد على فصل الملف اللبناني عن أي تفاهمات بين واشنطن وطهران، مؤكدا استمرار استهداف حزب الله ورفض الانسحاب من المناطق التي تحتلها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وفي قراءة تحليلية لتطورات الأوضاع السياسية والديبلوماسية، رأى المؤرخ والنقابي والباحث الدكتور عصام خليفة أن المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل خلال الأيام المقبلة قد تتأثر بالتطورات الإقليمية، إلا أن المعطيات الحالية لا تسمح بالجزم بإمكان حدوث تحول جوهري في مسار هذه المفاوضات أو في نتائجها، موضحا أن إسرائيل تسعى، من منظور استراتيجي، إلى تكريس سيطرتها على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي اللبنانية والمواقع ذات الأهمية الجغرافية والاقتصادية، بما يشمل المناطق الحدودية، والمرتفعات الاستراتيجية، ومصادر المياه، فضلا عن المساحات البحرية التي تحتوي على ثروات غازية ونفطية.
واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه الأهداف تشكل جزءا من الرؤية الإسرائيلية طويلة الأمد، مشيرا إلى أن وجود حزب الله يشكل، من وجهة النظر الإسرائيلية، عاملا تستخدمه القوى اليمينية والدينية المتطرفة في إسرائيل لتبرير سياساتها الأمنية والعسكرية.
ولفت خليفة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب عدد من أركان اليمين الإسرائيلي المتشدد، يواصلون الدفع باتجاه الفصل بين الملف اللبناني وأي تفاهمات أميركية - إيرانية، مع الإصرار على مواصلة استهداف حزب الله تحت ذرائع أمنية وعسكرية.
وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، أشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة، وقد يكون مضطرا أحيانا إلى اتخاذ مواقف أو إبرام تفاهمات لا تحظى بالضرورة بموافقة كاملة من الحكومة الإسرائيلية. وقال إن العلاقة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية تبقى محكومة بتوازنات سياسية وإعلامية ومالية معروفة لمصلحة الجانب الإسرائيلي، فضلا عن الضغوط التي تمارسها مراكز النفوذ الإسرائيلية المختلفة داخل الولايات المتحدة.
وعن الوضع اللبناني، رأى خليفة أن المشهد لا يزال ضبابيا، في ظل تضارب المعلومات حول طبيعة التطورات الميدانية ومستوى التزام حزب الله بالتفاهم القائم، موضحا أن القراءة الدقيقة للتصريحات والمواقف الإسرائيلية تدل على أن تل أبيب لا تزال تعتبر حزب الله هدفا أساسيا في استراتيجيتها الأمنية.
واعتبر أن هناك واقعا معقدا يتمثل في وجود مصالح متقاطعة بين طرفي الصراع، موضحا أن إسرائيل تستفيد من استمرار وجود الحزب لتبرير عملياتها العسكرية، فيما يستند حزب الله إلى استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية لتأكيد مشروعية مقاومته. وقال إن هذا الواقع يفرض على الدولة اللبنانية التعامل بحذر شديد مع مختلف التطورات الإقليمية والدولية.
وأشار خليفة إلى أن المذكرة التي توصلوا بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لم توفر حتى الآن الضمانات الكافية لحماية المصالح اللبنانية بصورة كاملة، معتبرا أن حزب الله جزء من المنظومة الأمنية والعسكرية المرتبطة بإيران.
وأكد أن الدمار الواسع الذي لحق بالجنوب اللبناني يشكل كارثة وطنية كبرى، وأن لبنان يواجه واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، مشددا على أن الأولوية الوطنية يجب أن تتركز على عودة الأهالي إلى قراهم ومناطقهم، وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة، والحفاظ على سيادة الدولة ومصالحها العليا بعيدا عن صراعات المحاور الإقليمية والدولية.
وفي معرض حديثه عن جولات التفاوض المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، طرح خليفة تساؤلات حول مدى قدرة الإدارة الأميركية على اعتماد مقاربة مختلفة عن السياسات السابقة التي كانت، بحسب رأيه، أكثر قربا من المواقف الإسرائيلية، متساءلا عما إذا كانت واشنطن قادرة على لعب دور يضمن حماية لبنان وحدوده وسيادته ويحول دون أي عمليات تهجير أو تداعيات إنسانية جديدة.
ودعا إلى تعزيز الوحدة الوطنية اللبنانية والتمسك بالمصلحة الوطنية العليا، معتبرا أن انخراط الدول الصغيرة في صراعات القوى الكبرى غالبا ما يؤدي إلى دفع أثمان باهظة. وقال إن المطلوب اليوم هو عودة جميع اللبنانيين إلى الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها والعمل على حماية الوطن من التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
وأكد خليفة على أهمية الاستفادة من خبرات المختصين والخبراء في ملفات الحدود والاتفاقيات الدولية في جلسات التفاوض المقبلة، مشيرا إلى استعداده الدائم لوضع خبراته وأبحاثه ووثائقه في خدمة الدولة اللبنانية وكل الجهات المعنية بالدفاع عن الحقوق الوطنية وحماية السيادة اللبنانية.
وبين رهانات التفاهمات الأميركية - الإيرانية وتمسك تل أبيب بمواقفها المعلنة، تبقى جولات التفاوض المرتقبة بين لبنان وإسرائيل محط أنظار اللبنانيين لمعرفة ما إذا كانت ستفتح نافذة نحو تثبيت الاستقرار في الجنوب، أم أنها ستبقى أسيرة التجاذبات والصراعات التي تحكم منطقة الشرق الأوسط.