بعد تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرافض لربط الملف اللبناني بالتفاهم الأميركي - الإيراني، والرد الرسمي لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بعد الإعلان عن توقف الحرب على كل الجبهات وقوله إن الاتفاق "غير ملزم لإسرائيل"، اتجهت الأنظار حول مستقبل الوضع الأمني في الجنوب وإمكان انعكاس هذا التفاهم على الساحة اللبنانية.
وعلى الرغم من التفاؤل الذي ظهر على الساحة اللبنانية والذي رافقه عودة الكثير من الأهالي إلى قراهم الجنوبية، بقي المشهد محكوما بحالة من الحذر والترقب في ظل استمرار الغموض الذي يحيط بانعكاسات التفاهم الأميركي - الإيراني على الواقع اللبناني، خصوصا وأن إسرائيل لا تزال متمسكة بمقاربتها الأمنية في الجبهة الشمالية، بما يشمل استمرار انتشارها في النقاط الخمس ورفضها إدراج لبنان ضمن أي تسويات قبل حل ملف سلاح حزب الله. فهل ينجح هذا التفاهم في فرض تهدئة على الجبهة اللبنانية، أم أن الواقع الميداني في الجنوب سيبقى خارج حساب التسويات؟
في هذا السياق، أكد مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس أن الانعكاس الفعلي لأي تفاهمات أميركية - إيرانية على لبنان سيكون مباشرا، لكنه جزئي في الوقت نفسه، موضحا أن الساحة اللبنانية ليست خارج هذا المسار، إذ تدرج طهران وواشنطن الملف اللبناني كبند أساسي في المذكرات الدبلوماسية المتبادلة بينهما، إلا أن المسارات الأمنية والتفاوضية المرتبطة بالجنوب والوجود الإسرائيلي تدار غالبا عبر مسارات مستقلة تقودها الولايات المتحدة بشكل مباشر.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إنه إذا أُدرج لبنان ضمن بنود أي اتفاق محتمل، فهذا يعني أن حزب الله أصبح وحيدا، وإذا لم يدرج لبنان ضمن هذه التفاهمات، فَيعني ذلك أيضا أن الحزب بات وحيدا، معتبرا أن هذا الواقع قائم بالفعل في المرحلة الراهنة.
وفي ما يتصل بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رأى جرمانوس أن إسرائيل تسعى إلى فرض منطقة أمنية عازلة في جنوب لبنان، وترفض إدراج البنود المتعلقة بلبنان ضمن أي تفاهمات أميركية - إيرانية، انطلاقا من اعتبارها أن أمن الجبهة الشمالية شأن إسرائيلي سيادي لا يخضع لتسويات إقليمية أو التزامات دولية، مشيرا إلى أنه حتى في حال تعرض إسرائيل لضغط أميركي كبير، فهي لن تنسحب من جنوب لبنان إلا مقابل اتفاقية سلام وضمانات أمنية أميركية.
وعن الدور الأميركي، اعتبر أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذا كبيرا يمكّنها من التأثير في السلوك الإسرائيلي داخل لبنان، بفعل الدعم العسكري والسياسي الواسع الذي تقدمه لتل أبيب، لافتا إلى أن قدرتها الفعلية على فرض هذا التأثير تصطدم بعوامل عدة، أبرزها قوة الحرس الثوري الإيراني عبر فرعه اللبناني المتمثل بحزب الله، إضافة إلى فشل الشرعية اللبنانية، وهو ما يمنح إسرائيل ذرائع لمواجهة الضغوط الأميركية.
ولفت جرمانوس إلى أن الدولة اللبنانية لا تزال تمتلك خيارات محورية للحؤول دون الانزلاق إلى تصعيد أوسع، أبرزها تكثيف المسار الدبلوماسي عبر المؤسسات الرسمية، واستكمال الانتشار الكامل للجيش اللبناني، والالتزام ببنود القرار 1701، إلى جانب إدارة مفاوضات سلام، مشيرا إلى أن المشهد اللبناني يتجه، للأسف، نحو مرحلة معقدة من التفاوض الأمني والسياسي المستمر، تجمع بين إدارة صراع طويل الأمد يتخذ أشكالا متغيرة، وبين تسويات إقليمية ودولية هشة تفرضها ضرورات المرحلة، بدلا من الوصول إلى تهدئة مستقرة ونهائية.
في المحصلة، وعلى الرغم من التفاهمات الدولية والإقليمية، يبقى المشهد اللبناني مفتوحا على مزيد من الترقب والحذر، في ظل غياب معطيات حاسمة بشأن انعكاس هذه التفاهمات على الواقع الميداني في الجنوب، واستمرار ارتباطه بتطورات سياسية وأمنية لم تتبلور معالمها النهائية بعد.