مع توجه السفير الأميركي ميشال عيسى إلى واشنطن لوضع الترتيبات الخاصة بجلسات التفاوض المقبلة بين لبنان وإسرائيل في 22 و23 و24 من الشهر الجاري، يطرح المراقبون تساؤلات حول جدوى استمرار هذه المفاوضات، خصوصا بعد توقفها في جلستها الأخيرة على خلفية رفض إسرائيل جميع المطالب التي تقدم بها الوفد اللبناني، وفي مقدمها الدعوة إلى وقف كامل لإطلاق النار.
وبين هذا الرفض الإسرائيلي للمطالب اللبنانية، وتعنت حزب الله في تنفيذ قرار تسليم سلاحه ورفضه مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، تتجه الأنظار إلى مسار الأوضاع في الجنوب اللبناني في ظل التصعيد الميداني والتقدم الذي يحققه الجيش الإسرائيلي، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات على القرى والبلدات الجنوبية.
كما يبرز تساؤل إضافي حول مدى ارتباط الملف اللبناني بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية، في ظل إشارات أميركية إلى ربط تطورات جنوب لبنان بنتائج تلك المفاوضات، بما يعيد طرح التناقض مع المواقف الأميركية السابقة الداعية إلى فصل المسارين اللبناني والإيراني.
وفي مقاربة لمسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، رأى رئيس "نادي الصحافة"، الإعلامي بسام أبو زيد، أن قيمة هذه المحادثات لا تقاس فقط بالنتائج المباشرة التي يتم تحقيقها، بل بكونها وسيلة ضرورية لاستمرار التواصل بين لبنان وإسرائيل، وبرعاية ومشاركة أميركيتين، في ظل غياب أي بدائل أخرى أمام الدولة اللبنانية لمعالجة الملفات العالقة، ولا سيما تلك المرتبطة بالنزاع مع إسرائيل.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن استمرار هذا المسار التفاوضي يتيح إبقاء القنوات مفتوحة لمعالجة القضايا الكبرى تدريجيا، بما في ذلك وقف إطلاق النار بشكل كامل، والانسحاب، وتبادل الأسرى، وترسيم الحدود على الخط الأزرق بصورة نهائية، إضافة إلى البحث في طبيعة العلاقة المستقبلية بين لبنان وإسرائيل، سواء كانت هدنة أو إنهاء لحالة العداء أو التوصل إلى معاهدة سلام.
وفي قراءته لمواقف الأطراف، لفت أبو زيد إلى أن كلا من إسرائيل وحزب الله لا يبديان رغبة في استمرار المفاوضات، إذ ترفض إسرائيل الذهاب في مسار تفاوضي جدي وتسعى إلى مواصلة عملياتها العسكرية، فيما يرفض حزب الله، من جهته، هذا المسار ولا يرحب باستمراره، معتبرا أن كلا الطرفين ينظر إلى هذه المفاوضات من زاوية مصالحه الخاصة، ما يحد من إمكانية تطويرها أو تحقيق تقدم فعلي من خلالها.
وأكد أن ما تم التوصل إليه في الجولة الأخيرة من المفاوضات، ولا سيما الإعلان الصادر عن واشنطن، يتضمن خطوات أولية مرتبطة بوقف متدرج لإطلاق النار، إضافة إلى طرح فكرة "المناطق التجريبي (Pilot Zones) "، معتبرا أنها تشكل مرحلة تمهيدية وليست إنجازا نهائيا بحد ذاتها.
وأوضح أن هذه المقاربة تقوم على مبدأ التدرج في بناء مسار تفاوضي يمكن استكماله لاحقا إذا توافرت الظروف المناسبة، بحيث تعالج القضايا العالقة خطوة تلو أخرى، بدلا من الوصول إلى تسوية شاملة دفعة واحدة.
كما أشار إلى أن ملف ربط المسار اللبناني بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية لا يمكن قراءته بمعزل عن تداخل المصالح الإقليمية والدولية، موضحا أن مصالح إسرائيل لا تتوافق دائما مع مصالح الولايات المتحدة، وقد تتقاطع معها أحيانا وتفترق عنها أحيانا أخرى، بحسب طبيعة كل مرحلة وتطوراتها. وفي هذا السياق، اعتبر أن مقاربة الربط أو الفصل بين الساحات ليست قرارا أميركيا خالصا، بل تتأثر أيضا بالحسابات الإسرائيلية التي تلعب دورا أساسيا في توجيه هذا المسار أو التأثير فيه، خصوصا أن إسرائيل تعتبر الساحة اللبنانية منفصلة عن الملف الإيراني.
ورأى أبو زيد أن ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني يبقى عنصرا أساسيا في تعقيد المشهد، معتبرا أن وجود حزب الله على الساحة اللبنانية وعلاقته بإيران ينعكسان بصورة مباشرة على طبيعة المفاوضات. وأضاف أن أي تطور في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، خصوصا في ما يتعلق بوقف دعم حزب الله وتسليحه وتمويله، ستكون له انعكاسات إيجابية كبرى على لبنان، بحسب تعبيره.
وفي هذا السياق، شدد أبو زيد على أن فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية غير دقيق في الواقع السياسي القائم، مشيرا إلى أن حزب الله، بحسب توصيفه، جزء من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجعل أي تفاهم حول هذا الملف مؤثرا بصورة مباشرة على الداخل اللبناني.
وتطرق إلى طبيعة المرحلة المقبلة، معتبرا أن الحديث عن وقف شامل ودائم لإطلاق النار لا يزال غير واقعي في الوقت الراهن، مرجحا استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة متقطعة تشمل استهدافات محددة أو توغلات محدودة، من دون الوصول إلى تسوية نهائية قريبة. كما اعتبر أن أي مذكرة تفاهم أو اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لن يؤدي بالضرورة إلى وقف كامل لإطلاق النار في جنوب لبنان، كما لن يفضي إلى انسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وفي ضوء ما تقدم، تجري المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في إطار ما يمكن اعتباره "أفضل الممكن" في الظروف الراهنة، في ظل غياب أوراق قوة فاعلة بيد الجانب اللبناني. فالذهاب إلى هذا المسار لم يكن بدافع القناعة به أو الرغبة في الوصول إلى تسوية نهائية أو سلام مع إسرائيل، بل نتيجة واقع ضاغط تفرضه التطورات الميدانية. ويتركز الهم الأساسي للدولة اللبنانية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، على وقف شلال الدم والدمار المستمر في جنوب لبنان بفعل الاعتداءات الإسرائيلية. ومن هذا المنطلق، تبدو هذه المفاوضات خيارا واقعيا يهدف إلى الحد من الكارثة القائمة، في إطار ما يشبه تمسك الغريق بقشة.