في خطوة غير اعتيادية ووقت يتسم بالحساسية، ألغت حركة أمل مجلسها العاشورائي المركزي في بيروت والضاحية، مبررة القرار بأسباب أمنية في ظل ما يشهده لبنان والمنطقة من توتر متصاعد وتحديات أمنية متزايدة.
وفيما شددت مصادر الحركة على الطابع الوقائي للقرار، رأت بعض الأوساط السياسية والإعلامية أن إلغاء حدث بهذا الحجم قد لا يكون معزولا عن السياق العام الذي يعيشه لبنان بعد الحرب الأخيرة، سواء على مستوى ضبط الحركة الجماهيرية أو على مستوى العلاقة بين حزب الله وحركة أمل، إذ سبق وحصلت خلافات بينهما على خلفية هذه المناسبة.
فهل نحن أمام إجراء ظرفي، أم أمام تحول أعمق في المشهد الداخلي الشيعي.
وانطلاقا من التبرير الرسمي الذي قدمته حركة أمل بشأن إلغاء المجلس، أكد الصحافي جاد الأخوي ضرورة التعامل مع هذا المعطى بجدية، خصوصا في ظل حساسية الظروف الأمنية في لبنان والمنطقة، وما تفرضه من حسابات دقيقة تتعلق بالتجمعات الجماهيرية الكبرى وسلامة المشاركين فيها، موضحا أن الأهم لا يقتصر على خلفيات القرار المباشرة، بل على ما يعكسه من تحولات أوسع تشهدها البيئة السياسية والأمنية في لبنان بعد الحرب الأخيرة، حيث باتت مختلف القوى مضطرة إلى إعادة تقييم أساليب عملها وحساباتها الجماهيرية والأمنية. واعتبر أن القرار قد يكون مزيجا من اعتبارات أمنية حقيقية ومن اعتبارات سياسية وتنظيمية فرضتها المرحلة الجديدة.
وفي ما يتعلق بالإشكالات التي شهدتها بعض المجالس العاشورائية في السنوات الماضية بين مناصرين لحركة أمل وحزب الله، رأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه لا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، موضحا أن العلاقة بين الطرفين تقوم تاريخيا على مزيج من التعاون والتنافس داخل البيئة نفسها.
وأشار الأخوي إلى أن التطورات السياسية والأمنية التي شهدها لبنان والمنطقة خلال السنوات الأخيرة فرضت مقاربات مختلفة في بعض الملفات، ما قد ينعكس أحيانا في القواعد الشعبية أو في الخطاب السياسي، من دون أن يصل ذلك إلى مستوى القطيعة أو الانفصال الاستراتيجي، في ظل استمرار التنسيق بين الطرفين في الملفات الأساسية، معتبرا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يزال هو الرئيس الفعلي "لدويلة ثنائي السلاح".
وفي ما يخص العلاقة بين حركة أمل وحزب الله، شدد على أن الحديث عن افتراق جوهري لا يستند إلى وقائع ملموسة، لافتا إلى أن الطرفين شكلا على مدى عقود شراكة سياسية كاملة في إدارة الواقع داخل البيئة الشيعية وفي مقاربة ملفات الدولة والسلطة.
وقال إن أي مقاربة يجب أن تأخذ في الاعتبار أنه إذا كان حزب الله يحمل مسؤولية السياسات التي قادت إلى الحروب والدمار الذي طال الجنوب، فإن حركة أمل تتحمل بدورها مسؤولية المشاركة في المنظومة السياسية التي ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل مسار الإصلاح وترسيخ نظام المحاصصة، ما يجعل محاولة فصل المسؤوليات بينهما غير دقيقة في توصيف المشهد.
وفي مقاربته لاحتمال ارتباط القرار بتغيرات في المزاج الشعبي داخل الشارع الشيعي، بيّن الأخوي أن البيئة الشيعية، كسائر البيئات اللبنانية، تأثرت بعمق بالأزمات المتتالية من الحرب إلى الانهيار الاقتصادي، ما انعكس على طبيعة التفاعل مع المناسبات الجماهيرية، لافتا إلى وجود أسئلة ونقاشات داخل هذا الشارع حول كلفة الخيارات السياسية والعسكرية وحول الأولويات المعيشية ودور الدولة. غير أنه اعتبر أن الحديث عن تحول جذري في المزاج الشعبي ما زال مبكرا، في ظل استمرار حضور القوى التقليدية، لافتا إلى أن إلغاء المجلس العاشورائي قد يكون رغبة في إدراك هذه المرحلة بحذر أكبر.
ورأى أن الرسالة السياسية التي يمكن قراءتها من القرار، سواء كان سببه أمنيا أو غير ذلك، يمكن أن يكون اعترافا مباشرا بأن البيئة الحاضنة دفعت أثمانا باهظة نتيجة الخيارات التي اتخذت خلال السنوات الماضية، معتبرا أن إلغاء المجلس يصبح رسالة ضعف أكثر من كونه رسالة قوة.
وأكد الأخوي أن المشكلة ليست في إلغاء مجلس عاشورائي أو تنظيمه، بل في أن القوى التي حكمت القرار الشيعي لعقود، وعلى رأسها أمل وحزب الله، تجد نفسها أمام حصيلة ثقيلة: قوى مدمرة، دولة منهكة، واقتصاد منهار، مشددا على أن هذه الخطوة تقرأ في سياق محاولة احتواء تداعيات هذه المرحلة أكثر من كونها قرار تنظيمي عادي.
وفي الختام، يبقى قرار إلغاء المجلس العاشورائي المركزي لحركة أمل محاطا بتفسيرات مختلفة بين ما هو أمني معلن وما هو سياسي غير معلن، في انتظار ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستكشف خلفياته بشكل أوضح.