تواصل واشنطن محاولة الدفع باتجاه حلحلة الملف اللبناني عبر مسارات سياسية غير مباشرة، في ظل التعقيدات الداخلية والإقليمية. وبينما تتقاطع هذه التحركات مع إشارات عربية إيجابية، خصوصا من المملكة العربية السعودية، يبرز موقف الرئيس نبيه بري وكيفية تعاطيه مع هذا المسار كأحد المفاتيح الأساسية في المرحلة الراهنة، خصوصا وأنه المتحدث الأساسي باسم حزب الله وهو من يحرك بوصلة الطائفة الشيعية.
وفي المقابل، يستمر حزب الله بالتمسك بخياراته المرتبطة بالمحور الإيراني، ما يجعل أي تسوية مطروحة أمام اختبارات داخلية معقدة.
فهل ستنجح الدولة اللبنانية في استثمار هذه الفرصة، أم أن المشهد الداخلي سيبقى مرهونا بالتعقيدات الإقليمية؟
في هذا الإطار، أكد الكاتب والباحث السياسي والأستاذ الجامعي الدكتور علي مراد أن المشهد اللبناني يجب أن يقرأ بصورة مستقلة عن ديناميات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، موضحا أن أي اتفاق محتمل بين الطرفين قد ينعكس على لبنان، لكنه لن يكون كافيا بحد ذاته لإنهاء أزمته.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن ما يحصل في لبنان اليوم هو امتداد لمرحلة ما بعد السابع من تشرين الأول، معتبرا أن إسرائيل لن توقف الحرب قبل حسم ملف حزب الله، وهو أمر تعلنه بصورة واضحة. لذلك، فإن أي تفاهم أميركي - إيراني برأيه، قد يؤدي إلى تهدئة أو وقف لإطلاق النار، لكنه لا يعني تلقائيا إنهاء الأزمة اللبنانية أو معالجة تداعياتها، خصوصا في ظل استمرار قضايا الاحتلال والتهجير.
وقال مراد إن الدولة اللبنانية مطالبة بالحفاظ على مسار التفاوض مع واشنطن على الرغم من التعنت الإسرائيلي، لأن الأمر يضمن بقاء القرار التفاوضي بيد الدولة اللبنانية ويحول دون العودة إلى منطق ربط الملف اللبناني بالمسارات الإقليمية أو إعادة إنتاج مرحلة مصادرة القرار الوطني لمصلحة أطراف خارجية.
ورأى أن جوهر المعركة بالنسبة إلى حزب الله وإيران لا يقتصر على البعد العسكري، بل يرتبط أيضا بمسألة النفوذ وتموضع لبنان الإقليمي في المرحلة المقبلة، معتبرا أن هذا البعد يشكل أحد العناصر الأساسية في المشهد الحالي.
وعن دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، لفت مراد إلى أن الأخير يدرك حجم تعقيدات المرحلة وحجم الدمار والتهجير الذي أصاب الجنوب، كما يدرك تراجع قدرة حزب الله على تغيير المعادلة العسكرية، ميتبعدا، على الرغم من ذلك، أن يتجه بري في الوقت الراهن إلى التمايز عن الحزب. وأشار إلى أنه يراقب أيضا التطورات الإقليمية وما يمكن أن تقوم به إيران، في وقت يضيق فيه هامش الوقت أمام اللبنانيين مع استمرار معاناة الجنوب.
وفي ما يتعلق بالإشارات السعودية الأخيرة، شدد على أن المملكة العربية السعودية لم تتخلَ يوما عن لبنان، معتبرا أن أي قراءة للمواقف العربية والدولية الداعمة للبنان لا يمكن أن تتجاهل ملف سلاح حزب الله. ووصف إياه بالقضية المحورية التي تدور حولها مختلف النقاشات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار والاستقرار.
وأشار مراد إلى أن الموقف الإسرائيلي يربط أي انسحاب أو إعادة إعمار بحسم ملف سلاح حزب الله، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تكريس وجود إسرائيل واستمرار تهجير أبناء الجنوب. وشدد على أن معيار النجاح بالنسبة إلى اللبنانيين يجب أن يكون إنهاء وجود إسرائيل في الجنوب وعودة الأهالي إلى قراهم ووقف الحرب، لا اختزال النقاش بمسألة بقاء السلاح أو عدمه.
وفي معرض تعليقه على الحديث عن السلام، رأى أن إسرائيل لا تبدو راغبة فعليا في سلام حقيقي، بل تسعى إلى فرض هيمنتها على المنطقة وخلق وقائع جديدة على الأرض، معتبرا أن لديها مصلحة في استمرار الحرب والتهجير وإبقاء الضغط قائما على المناطق الجنوبية.
وقال مراد إن مواجهة هذا الواقع تتطلب من لبنان العمل على وقف الحرب وتهيئة الظروف التي تسمح بانسحاب إسرائيل، لافتا إلى أن حزب الله لم يعد اللاعب الإقليمي نفسه الذي كان عليه في السابق، خصوصا بعد سقوط النظام السوري وتراجع قدراته العسكرية، كما لم يعد يمتلك القدرة نفسها على فرض معادلات ردع في مواجهة إسرائيل.
وشدد على أنه على اللبنانيين التفكير في كيفية مواجهة التهديدات الإسرائيلية في مرحلة ما بعد سلاح حزب الله، حيث يبرز دور الدبلوماسية والخيارات السياسية والاستراتيجية البديلة، لا سيما وأن التجربة أثبتت أن الخيار العسكري لم يؤدّ إلا إلى المزيد من الخسائر والأضرار.
وفي ما يخص المفاوضات القائمة، اعتبر مراد أن الأجواء التي رافقت النقاشات الأخيرة في واشنطن لا توحي بجدية إسرائيلية كافية، مشددا، في المقابل، على أن مصلحة لبنان تقتضي الإبقاء على هذا المسار مفتوحا، طالما أن الدولة اللبنانية متمسكة بثوابتها الوطنية وترفض تقديم أي تنازلات أو التعامل مع الوقائع العسكرية المفروضة كأمر واقع دائم.
وأكد أن من يعتقد بإمكان إعادة إنتاج سيناريو ما بعد العام 2006 يخطئ في قراءة الواقع الحالي، موضحا أن التحولات الإقليمية كانت تستخدم في مراحل سابقة لقلب التوازنات الداخلية وفرض أشكال من الهيمنة على القرار الوطني، إلا أن هذه المرحلة انتهت ولم تعد قابلة للتكرار.
ورأى مراد أن لبنان ليس بحاجة إلى اتفاق سياسي جديد أو إلى إعادة النظر في صيغته السياسية، بل إلى تطبيق اتفاق الطائف بصورة كاملة.
أما في ما يتعلق بما يتداول عن تعديلات حكومية أو تبديل بعض الحقائب الوزارية، فاعتبر أن الحكومة الحالية تعكس التوازنات القائمة في البلاد، ولا يرى ضرورة للقيام بأي تعديل عليها، مشددا على أن أي تغيير يجب أن يحصل عبر المؤسسات الدستورية والأصول الديمقراطية المعتمدة.
وعليه، تبقى هذه المبادرات والفرص المطروحة أمام لبنان في دائرة الترقب، وسط التعقيدات الداخلية والإقليمية التي لا تزال تتحكم بسير الأمور، مع الرهان على قدرة الدبلوماسية في استثمار هذه الفرص وإيجاد مخرج مناسب لهذه التعقيدات.