بالتزامن مع تصاعد النقاش حول ملف سلاح حزب الله ومستقبل المفاوضات المرتبطة به، برزت في الكواليس السياسية معلومات تتحدث عن مطالب سياسية يُقال إنها طُرحت عبر قنوات تواصل غير معلنة، تتعلق بإحداث تغييرات في مواقع أساسية داخل السلطة التنفيذية.
وتفيد هذه المعطيات بأن أحد هذه المطالب يتمثل بإقالة رئيس الحكومة نواف سلام، باعتبارها خطوة مطلوبة مقابل الانخراط في مسار التفاوض بشأن نزع السلاح. كما تشير المعلومات المتداولة إلى أن هذا الطرح ليس جديداً بالكامل، إذ سبق أن تردد الحديث عن رغبة مماثلة طالت وزير الخارجية يوسف رجي.
وفي موازاة ذلك، تتجه بعض التحليلات إلى ربط هذه التسريبات بالدور الذي تؤديه قطر في الملف اللبناني، باعتبارها من أبرز الأطراف المنخرطة في جهود الوساطة والاتصالات السياسية، من دون أن يقترن ذلك بأي تأكيد رسمي حتى الآن.
وفي هذا السياق، رأى رئيس حزب "حركة التغيير" المحامي إيلي محفوض، أن احتمال تحقق هذه المطالب ضعيف جداً إذا كانت الدولة اللبنانية جادة فعلاً في استعادة قرارها السيادي.
وأوضح عبر منصة "بالعربي"، أن إقالة حكومة أو رئيس حكومة لأن جهة مسلحة تريد ذلك تعني عملياً الاعتراف بأن السلاح ما زال فوق الدستور، وأن القرار الوطني لا يزال رهينة ميزان القوة لا ميزان المؤسسات.
وأضاف أن رئيس الحكومة نواف سلام لم يصل إلى موقعه بتفويض من حزب الله حتى يُقال بطلب منه، بل جاء ضمن مسار سياسي ودستوري يحظى بدعم داخلي وخارجي واسع، معتبراً أن أي رضوخ لمثل هذا المطلب سيكون بمثابة إعلان فشل لمشروع الدولة وانتصار لمنطق الابتزاز السياسي.
وتابع محفوض: "إذا كان حزب الله يعتقد أن التفاوض على سلاحه يمنحه حق فرض الشروط على اللبنانيين أو إسقاط الحكومات أو إقالة الوزراء، فهو يسيء فهم المرحلة"، لافتاً إلى أن المرحلة اليوم هي مرحلة تثبيت سلطة الدولة لا إعادة إنتاج الوصاية عليها.
وعن الجهة الدولية أو العربية التي يُشار إليها في هذا الملف، قال محفوض إنه لا يمكن الجزم باسم دولة بعينها من دون أدلة واضحة، مشدداً على أن أي دولة عربية أو إقليمية تنخرط في الملف اللبناني تدرك أن إسقاط حكومة قائمة أو فرض تغييرات سياسية بالقوة لمصلحة طرف داخلي سيضعها في مواجهة مباشرة مع التوجه العربي والدولي الداعم للدولة اللبنانية.
وفي ما يتعلق باحتمال أن تكون قطر هي الدولة المعنية، أوضح أن الدوحة تلعب أحياناً دور الوسيط في ملفات معقدة، لكن الوساطة شيء والتحول إلى قناة لتمرير شروط أي طرف لبناني شيء آخر تماماً، معتبراً أنه من الصعب تصور أن أي دولة تسعى إلى الاستثمار في استقرار لبنان ستضع نفسها في موقع المطالبة بإسقاط حكومة نواف سلام فقط لإرضاء حزب الله.
وأكد أن الكلام، في غياب معطيات موثقة، يبقى في إطار التسريبات والتكهنات، فيما تشير الوقائع السياسية الحالية إلى دعم متزايد لمؤسسات الدولة اللبنانية، لا إلى دعم شروط القوى المسلحة عليها.
وفي رسالة مباشرة إلى حزب الله، قال محفوض إن الزمن الذي كان فيه السلاح يمنح حق الفيتو على الدولة اللبنانية قد انتهى، معتبراً أنه لا حكومة يجب أن تسقط لأن حزب الله يريد ذلك، ولا وزير يُقال لأنه لا يعجبه، ولا رئيس جمهورية يجب أن يُمنع من تنفيذ مشروعه السيادي لأن الحزب يرفضه.
وأضاف أنه إذا كان الحزب يريد أن يكون جزءاً من لبنان المستقبل، فعليه أن يقبل القاعدة التي يقبلها الجميع، وهي: دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار أمني واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الشرعية.
وتابع أن الاستمرار في التعامل مع مؤسسات الدولة كساحة نفوذ خاصة، أو اعتبارها أدوات قابلة للكسر عند أول خلاف، لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة السياسية واستنزاف ما تبقى من رصيد داخلي.
وأكد أن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من موازين القوى المسلحة، بل إلى استعادة هيبة الدولة بالكامل، مشدداً على أن من يريد المشاركة في بناء البلد فمرحباً به كشريك سياسي، أما من يريد فرض شروطه بقوة السلاح أو التلويح به، فعليه أن يدرك أن غالبية اللبنانيين باتت تريد دولة فعلية لا دولة معلقة على إرادة أي ميليشيا أو أي قوة فوق القانون.
وأضاف أن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل لبناني على نفسه اليوم هو: هل يتخيل ماذا كان سيحل بلبنان لو لم يكن في قصر بعبدا رئيس جمهورية مثل جوزاف عون، وفي السراي الحكومي رئيس وزراء مثل نواف سلام، وفي وزارة الخارجية وزير مثل يوسف رجي؟ وماذا لو كان القرار لا يزال بيد الطبقة نفسها التي اعتادت الخضوع والتبرير والتغطية على الأمر الواقع؟
ولفت إلى أنه في هذه الحالة كان مشروع إخضاع الدولة سيتقدم أكثر، وكان منطق السلاح سيفرض شروطه على المؤسسات بلا مقاومة، وكانت السيادة ستبقى مجرد شعار فارغ لا أكثر.
وأضاف أن من حق اللبنانيين اليوم أن يتمسكوا بكل مسؤول يقف إلى جانب الدولة والدستور والشرعية، وأن يدعموا كل جهد يهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وحدها، لأن لبنان لا يُبنى بالولاءات الخارجية ولا بقوة الأمر الواقع، بل بقيام دولة قوية وقادرة وعادلة.
وتابع محفوض الشكر يجب أن يُوجه إلى وجود رجال دولة يضعون مصلحة لبنان فوق أي اعتبار، ويواجهون الضغوط دفاعاً عن السيادة والمؤسسات، ويعملون لمنع أي مشروع يضع قرار لبنان خارج إطاره الوطني الشرعي، مؤكداً أن المعركة الحقيقية ليست بين طوائف وأحزاب، بل بين من يريد دولة تحكمها المؤسسات ومن يريد إبقاءها رهينة موازين القوة والسلاح.
وفي الختام، تبقى هذه المعطيات في إطارها السياسي غير المحسوم حتى الآن، في انتظار ما ستكشفه الاتصالات والتحركات الجارية على أكثر من مستوى. وبين من يقرأها كمحاولة مقايضة سياسية، ومن يراها مجرد ضغط في سياق التفاوض، يبقى المسار مرتبطاً بما ستفرزه التطورات والوقائع في المرحلة المقبلة.