June 10, 2026   Beirut  °C
سياسة

المناطق التجريبية في الجنوب: ماذا تعني وكيف ستُطبق؟

عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ بين إسرائيل وحزب الله أواخر عام 2024، تولّى الجيش اللبناني مسؤولية تعزيز انتشاره جنوب نهر الليطاني وتنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في التفاهمات المرتبطة بالهدنة.

وفي هذا السياق، باشر الجيش سلسلة من العمليات الميدانية الهادفة إلى كشف الأنفاق ومصادرة مخازن الأسلحة والبنى العسكرية التابعة للحزب في تلك المنطقة.

وقد حظيت هذه الإجراءات بإشادات من ممثلي الولايات المتحدة والجهات الدولية المعنية بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وآلية المراقبة المنبثقة عنه الميكانيزم، كما صدرت عن مسؤولين إسرائيليين مواقف أقرت، بدرجات متفاوتة، بقيام الجيش اللبناني بخطوات ميدانية في هذا الاتجاه، وإن كانت تلك المواقف قد اقترنت في الوقت نفسه بتحفظات وانتقادات إسرائيلية بشأن وتيرة التنفيذ ومداه.

ومع تجدد المواجهات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله في 2 آذار الماضي، وانتقال الاتصالات اللبنانية - الإسرائيلية إلى مسارات تفاوضية سياسية وأمنية برعاية ووساطة أميركية، برزت مجموعة من الطروحات والإجراءات الميدانية المتعلقة بملف حصر السلاح جنوب الليطاني. ومن بين هذه الطروحات إنشاء ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية"، حيث يتولى الجيش اللبناني تنفيذ عمليات تفتيش وكشف للأنفاق ومخازن الأسلحة، وفرض سيطرة أمنية كاملة عليها، تمهيدًا لتحويلها إلى مناطق خالية من أي وجود مسلح خارج إطار الدولة.


ويُنظَر إلى هذه الخطوة على أنها اختبار عملي لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الميدانية، وقد تشكل، في حال نجاحها، عنصرًا مؤثرًا في أي نقاش لاحق حول الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحتلها في الجنوب.


انطلاقًا من ذلك، تبرز مجموعة من التساؤلات الأساسية: ما المقصود بالمناطق التجريبية؟ وأين يُتوقع أن تتركز؟ وما طبيعة الإجراءات التي ستُنفذ داخلها؟ وهل ستشكل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتقه؟ والأهم من ذلك، هل يمكن أن يساهم نجاح هذه الخطة في دفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب، بما يمهد لعودة السكان إلى قراهم وإطلاق مسار إعادة الإعمار؟


"المناطق التجريبية"... مصطلح جديد على أرض الجنوب

في ختام الجولة الأخيرة من المفاوضات في واشنطن، برز مصطلح "المناطق التجريبية" كأحد أبرز العناوين المرتبطة بمستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان. ويقوم هذا الطرح على اعتماد آلية مرحلية لاختبار الترتيبات الأمنية الجديدة، بدلًا من تطبيقها دفعة واحدة على كامل المنطقة الحدودية.


وبحسب ما ورد في البيان الأميركي - اللبناني - الإسرائيلي المشترك، اتفقت الأطراف على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض، مع استبعاد أي وجود مسلح خارج إطار الدولة.


ماذا تشمل "المناطق التجريبية"؟

وتتمثل الفكرة في اختيار عدد من القرى أو البلدات الجنوبية كنموذج أولي لتطبيق هذه الترتيبات.


وتقضي الآلية المقترحة بانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من هذه المناطق، مقابل انتشار كامل للجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية بشكل حصري، مع منع عودة أي مظاهر أو بنى عسكرية خارج سلطة الدولة. وبذلك تتحول هذه المناطق إلى مساحة اختبار ميداني وسياسي لقياس مدى إمكان تثبيت واقع أمني جديد في الجنوب.


هل تنجح "المناطق التجريبية" في تثبيت الاستقرار الأمني الجنوب؟

تكتسب هذه الصيغة أهميتها من كونها تعتمد مبدأ التدرج. فبدلًا من السعي إلى تنفيذ شامل وفوري للترتيبات الأمنية، يجري اختبار النموذج في منطقة محددة أولًا، على أن يتم توسيعه لاحقًا إلى مناطق أخرى في حال أثبت نجاحه.


ومن هنا جاءت تسمية "المناطق التجريبية" أو "النموذجية"، باعتبارها مناطق يتم فيها اختبار آليات التنفيذ قبل تعميمها.


كما يُنظر إلى هذه المناطق باعتبارها امتحانًا عمليًا لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ يُفترض أن يجري تحديد قطاعات معينة بالتنسيق بين الجهات المعنية، على أن يتولى الجيش اللبناني تثبيت حضوره فيها وإدارة الوضع الأمني بشكل كامل.


وفي حال نجاح التجربة، يمكن الانتقال تدريجيًا إلى مناطق إضافية وصولًا إلى توسيع النموذج على امتداد الجنوب.


ورغم الإعلان عن المبدأ العام للمناطق التجريبية، لا تزال تفاصيل الخرائط وحدود هذه المناطق وآليات الانسحاب والتسلم والمتابعة موضع بحث، على أن تُستكمل مناقشتها في جولات تفاوض لاحقة.


وفي هذا السياق، أكد السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أن الأهالي سيعودون إلى هذه المناطق، وأنها ستكون تحت حماية الجيش اللبناني ولن تتعرض لقصف إسرائيلي، معتبرًا أن نجاح التجربة قد يجعل منها نموذجًا يمكن تعميمه على سائر مناطق جنوب لبنان.


وعليه، لا تبدو التجارب السابقة مبشرة بإمكانية الوصول إلى حل جذري للصراع القائم بين إسرائيل وحزب الله. فتل أبيب تواصل اعتداءاتها على لبنان، وعلى جنوبه بشكل خاص، مطلقة العنان لآلة القتل والدمار من دون أي اعتبار للاستقرار أو التهدئة. وفي المقابل، لا يبدو حزب الله مستعدًا لتقديم أي تنازلات أو تفويض الدولة لتكون الراعية لأي مسار يمكن أن يفضي إلى تثبيت وقف شامل وكامل لإطلاق النار، بل يواصل تعنته ورفضه لأي مقاربة سياسية أو دبلوماسية، معتبرًا أن أي خطوة تتخذها الدولة اللبنانية في هذا الاتجاه هي بمثابة حرب عليه وعلى بيئته، وصولًا إلى حد تخوين السلطة برمتها، ما يعمق الانسداد ويقفل أبواب الحل.