June 09, 2026   Beirut  °C
سياسة

صواريخ طهران بين ثلاث جبهات: واشنطن، تل أبيب والشارع الإيراني

لا يمكن التعامل مع الهجمات الأخيرة التي أطلقها النظام الإيراني ضد إسرائيل كحدث عسكري عابر، أو منفصل عن السياق السياسي الأوسع. فهذه الصواريخ لم تكن موجهة إلى تل أبيب وحدها، بل حملت في طياتها رسائل متشابكة إلى واشنطن، وإلى الداخل الإيراني، وإلى حلفاء النظام وخصومه في الإقليم، تحت ذريعة الرد على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت.

إنها عملية تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتتحول إلى أداة متعددة الوظائف: تفاوض بالنار مع الولايات المتحدة، محاولة لترميم الردع أمام إسرائيل، ووسيلة لإعادة فرض الصمت في الداخل تحت عنوان "الخطر الخارجي".

واللافت أن أول من تلقف خطورة الموقف كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي دعا إلى وقف التصعيد والهجمات. فمن منظور واشنطن، يعتبر استمرار تبادل الضربات بين طهران وتل أبيب تهديدا بإفشال المسار التفاوضي الذي لا يزال قابلا للاستثمار من وجهة نظر أميركية. ترامب لا يريد حربا إقليمية مفتوحة، ليس لأنها تصب في مصلحة إيران، بل لأنها قد تربك حساباته وتمنح النظام الإيراني هامشا للهروب من شروط التفاوض نحو منطق المواجهة الشاملة. من هنا تأتي دعوته إلى وقف التصعيد كرسالة مزدوجة: لطهران بأن الصواريخ لا تفرض شروط الاتفاق، ولإسرائيل بأن الرد الموسع قد ينسف المسار السياسي الذي تعمل عليه واشنطن.


في المقابل، تقرأ إسرائيل الهجوم بوصفه اختبارا مباشرا لمعادلة الردع، فهي لا تستطيع ترك الصواريخ الإيرانية بلا رد، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي رد واسع قد يتعارض مع الرغبة الأميركية في ضبط إيقاع المواجهة. لذلك تجد تل أبيب نفسها أمام معادلة دقيقة: إثبات أن الضربة لن تمر دون كلفة، وتجنب الانزلاق إلى حرب كبرى قد تضعها في تباين تكتيكي مع واشنطن. هذه المعادلة تفسر حدة الخطاب الإسرائيلي مقابل حذر محسوب في حجم الرد وتوقيته.


أما النظام الإيراني، فتختلف حساباته جذريا، فهو لا يسعى إلى حرب شاملة بقدر ما يستخدم التصعيد لتحسين موقعه التفاوضي. فهو يدرك أن أوراقه الداخلية مثقلة بالأزمات: اقتصاد مأزوم، شارع محقون، أزمة شرعية، صراع أجنحة، وضغط دولي، لذلك يحاول تعويض هذا الضعف باستعراض قوة خارجي.


وبهذا يحاول النظام الإيراني إيصال رسالة واضحة إلى واشنطن وهي أن الضغط عليه ستكون له كلفة، وأن أي اتفاق لا يراعي مصالحه الإقليمية والأمنية سيبقى مهددا بالانفجار. لكن البعد الأخطر يتصل بالداخل الإيراني نفسه. خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت الاحتجاجات الطلابية في عدد من المدن، وتحولت شعارات مطلبية وتعليمية تدريجيا إلى خطاب سياسي يعكس عودة التوتر إلى الشارع. بالتوازي، تتواصل موجة الإعدامات، وتتفاقم الأزمة المعيشية، وتتسع الفجوة بين المجتمع والسلطة. في مثل هذه اللحظة، يحتاج النظام إلى حدث خارجي كبير يعيد إعادة ترتيب الأولويات، لتتحول صواريخه هنا إلى أداة إنتاج حالة طوارئ سياسية ونفسية: تهميش الداخل، تخوين الأصوات المعارضة، توحيد مؤقت للأجنحة، وتقديم الحرس الثوري كحام للدولة بدل كونه أحد أزماتها.


ولهذا فإن ما فعله النظام ليس مجرد فعل عسكري، بل إدارة سياسية للأزمة. فالنظام يحاول نقل مركز الاهتمام من الشارع والمدارس والسجون والأسواق، إلى السماء المفتوحة فوق إسرائيل. الهدف هو إعادة تشكيل الوعي العام موقتا، بحيث يتراجع سؤال الداخل عن التعليم، الخبز، الإعدامات، والحرية أمام خطاب الحرب والتهديد والردع. غير أن هذا السلوك لا يعكس قوة بقدر ما يعكس مأزقا بنيويا، إذ إن الأنظمة التي تمتلك شرعية مستقرة لا تحتاج إلى تصدير أزماتها نحو الخارج كلما اهتز الداخل.


إقليميا، تراقب الدول العربية، لا سيما دول الخليج ولبنان، هذا التصعيد من زاوية أمنية حساسة. فالتجربة أثبتت أن المواجهات الإيرانية - الإسرائيلية لا تبقى محصورة بين الطرفين، بل تمتد إلى ساحات المنطقة: لبنان عبر حزب الله، اليمن عبر الحوثيين، العراق عبر الميليشيات، والخليج عبر تهديدات الملاحة والطاقة. لذلك، فإن القلق العربي لا يرتبط بالصاروخ نفسه، بل بمنطق استخدام الإقليم كساحة امتداد للصراع الإيراني.


في لبنان تحديدا، يكتسب المشهد بعدا إضافيا. فكل تصعيد إيراني مع إسرائيل ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني، حيث يشكل حزب الله إحدى أدوات الضغط في المعادلة الإقليمية، في مقابل محاولات داخلية متزايدة لاستعادة القرار السيادي. ومع كل تصعيد جديد، يتعاظم احتمال انتقال الرسائل إلى الساحة اللبنانية، بما يعيد فتح ملف العلاقة بين الدولة وقرار الحرب والسلم.


في المحصلة، تكشف الهجمات الأخيرة عن خريطة مصالح متشابكة: واشنطن تسعى إلى كبح التصعيد لحماية مسار التفاوض، إسرائيل تبحث عن رد محسوب يحفظ الردع من دون كسر الغطاء الأميركي، النظام الإيراني يوظف الصواريخ كورقة تفاوض ووسيلة لاحتواء الداخل، والدول العربية تخشى تمدد النار إلى محيطها. أما الشعب الإيراني، فهو الطرف الأكثر غيابا عن هذه المعادلة، على الرغم من أنه حاضر في خلفيتها كعامل ضغط دائم. لكن ما تكشفه الصورة الأعمق هو أن طهران لا تتحرك من موقع قوة مستقرة، بل من داخل أزمة متعددة المستويات: تفاوض تحت الضغط، وشارع قابل للاشتعال، ونظام يستخدم الخارج كصمام أمان مؤقت. لذلك، فإن قراءة هذه الهجمات لا تكتمل من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية سياسية أوسع: النظام لا يذهب إلى التصعيد لأنه يملك القوة، بل لأنه عاجز عن مواجهة أزمته في الداخل.