لم يعد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت حدثا معزولا أو جديدا في سياق المواجهة بين لبنان وإسرائيل، إذ كانت قد دخلت سابقا في إطار وساطة أميركية لتحييدها عن الاستهداف المباشر، قبل أن تعود لتدخل مجددا في دائرة الضربات المتقطعة بين حين وآخر. وفيما تتواصل الردود بين إيران وإسرائيل على خلفية الاستهدافات المتكررة للضاحية وشمال إسرائيل، تتزايد مخاوف المراقبين من أن تترجم إسرائيل عمليا ما سبق أن صرحت به "شمال إسرائيل مقابل الضاحية".
إلى أي مدى يمكن أن تتأثر المناطق اللبنانية خصوصا الضاحية الجنوبية بمسار التصعيد القائم؟
في هذا السياق، أكد العميد الركن الطيار المتقاعد والخبير العسكري الاستراتيجي بسام ياسين أن ما يحصل لا يمكن فصله عن سياق المواجهة الإقليمية الأوسع، مشيرا إلى أن إيران تنظر إلى لبنان كأحد ساحات الاشتباك المفتوحة، في مقابل معادلات إسرائيلية مقابلة تربط بين الضاحية الجنوبية وشمال إسرائيل، وتضع إيران ولبنان في نفس الخانة.
وقال عَبرَ منصة "بالعربي" إن الردود المتبادلة تعكس عمليا محاولة كل طرف إرساء قواعد اشتباك جديدة، بحيث يرفع حزب الله معادلته القائمة على الرد داخل إسرائيل طالما تتعرض القرى والبلدات الجنوبية للقصف، فيما تربط إسرائيل أي استهداف لأراضيها بالرد على الضاحية الجنوبية، وصولا إلى تهديد إيراني بأن أي ضربة على الضاحية سيقابلها ضربة على قلب إسرائيل، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا، موضحا أن هذا التشابك في المعادلات يعكس واقعا جديدا في الميدان، حيث تتقاطع الجبهات بين لبنان وإسرائيل وإيران ضمن ساحة واحدة غير منفصلة، ما يجعل أي تصعيد محكوما بتوازن ردود متبادل بين أكثر من طرف.
وفي ما يتعلق باحتمال انتقال إسرائيل إلى تصعيد أوسع، رأى ياسين أنه في حال اتخاذ قرار بهذا الاتجاه، فإن ذلك سيترافق مع إجراءات ميدانية واضحة، أبرزها توسيع نطاق التهجير مقارنة بالوضع الحالي، وربما وصوله إلى ما هو أبعد من الأولي، إضافة إلى تكثيف استخدام الطيران المسيّر والحربي بشكل واسع، وإمكان توسيع الحضور البحري الإسرائيلي قرب الشواطئ اللبنانية بما يتيح دعم عمليات محتملة أو تمهيدا لتحركات عسكرية أكبر، إلى جانب رفع مستوى الاستدعاء العسكري.
ولفت إلى أن أي تصعيد واسع قد ينعكس أيضا على مستوى انتشار القوات البرية، مع احتمال إعادة تفعيل وحدات عسكرية إضافية إذا اتجهت إسرائيل إلى توسيع عملياتها بشكل كبير. وقال إنه في ضوء المعطيات الحالية، لا يمكن استبعاد احتمال توجيه إسرائيل ضربات أوسع تشمل الضاحية الجنوبية بالتوازي مع استهدافات داخل العمق الإيراني، في محاولة لترسيخ معادلة تعتبر أن الضاحية وإيران تشكلان جبهة واحدة، وبالتالي التعامل معهما ضمن قواعد اشتباك موحدةن مضيفا إن التصريحات الإسرائيلية السابقة تعكس استعدادا لتنفيذ عمليات أوسع داخل لبنان، بما يحررها من بعض القيود التي كانت مفروضة في مراحل سابقة.
في المحصلة، تبقى مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما الضاحية الجنوبية عرضة للاستهدافات الإسرائيلية، في ظل استمرار تداخل الساحات بين لبنان وإيران عبر أذرعها في المنطقة.